أظهرت حادثة إطلاق النار، في حفل عشاء ترامب. أن الأمن لا يستطيع التغلب علي السياسة. وأن المشكلة في الولايات المتحدة، لم تعد أمنية فقط. بل سياسية مجتمعية أعمق. وهنا يبرز سؤال جوهري، هل ثمة حاجة ملحة لخطوط دفاع أمنية متقدمة، في ظل تصاعد العنف السياسي، والتهديدات ضد المسئولين؟. وعلي ما يبدو، فإن تشديد الإجراءات الأمنية، وحده غير كاف. لأن جذور الخطر، تمتد إلي البيئة السياسة والإعلامية والرقمية. ومع هذا الحدث الأمني. تتوسع الصورة، إلي المشهد السياسي الأوسع داخل واشنطن. فثمة ضغوط سياسية تتزايد علي ترامب. حيث تتراكم الرياح السياسية المعاكسة، وتراجع الدعم الشعبي. حتي داخل صفوف الجمهورين. وسط أزمات داخلية وخارجية متزامنة.
في المقابل، وفي الساحة الإقليمية، تتقدم إيران، كفاعل اقتصادي مؤثر. حيث برزت طهران، باعتبارها الحكم النهائي، للاستقرار الاقتصادي العالمي. بفضل موقعها الجغرافي عند ممر مضيق هرمز الحيوي. العالم، بات أمام معادلة صعبة. إما تجاهل الدور المركزي لإيران. أو الاعتراف بأن أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي، يرتبطان مباشرة بسيادتها وموقعها الاستراتيجي في المنطقة. أما عن المسار التفاوضي، فيبدو أن واشنطن وطهران، يؤجلان الحسم. لكن التوتر يرتفع مع استمرار التآكل التدريجي. دون اتفاق نهائي. فـ الصراع يدور في إطار ضغط متبادل. ويحذر المراقبون، من أن أخطر السيناريوهات، هو اتفاق جزئي، يمنح إيران، متنفسا. دون حل الملفات الأساسية. وهنا تبرز مراجعة نقدية، لفكرة اسقاط الأنظمة بالقوة في المنطقة. فالاعتقاد الأمريكي- الإسرائيلي، بإمكانية تفكيك الأنظمة، في إيران وغزة ولبنان. عبر القوة العسكرية، والضغط الداخلي. أثبت فشله مجددا. كما حدث في تجارب سابقة. الاستراتيجية الأمريكية، في الشرق الأوسط. لم تكن يوما، مجرد استجابة لتحديات طارئة. بل كانت تعبيرا عن مشروع طويل المدي. لإعادة صياغة المنطقة، وفق مصالح واشنطن الجيوسياسية. وضمان تفوقها العالمي. مؤخرا أعتمدت واشنطن، علي أدوات أكثر مرونة وفعالية. تفكيك الخصوم من الداخل، تسليح التناقضات المحلية، بناء تحالفات وظيفية، وإدارة الفوضي بدلا من الحسم العسكري. من فلسطين إلي الخليج، تبدو خرائط النفوذ الأمريكية، وقد أعيد رسمها بدقة، ضمن منطق الهيمنة الناعمة، وتوظيف القوي لتحقيق أجندة أمريكية، تتجنب الكلفة المباشرة، وتضمن السيطرة والهيمنة. الاستراتيجية الأمريكية، ليست قدرا مفروضا. بل منظومة قابلة للخلخلة والارتباك. المجال لا يزال مفتوحا. أمام القوي الوطنية، والشعوب الحرة. لبناء مشاريع بديلة قادرة علي كسر القيود، واستعادة المبادرة، وفتح أفق جديد، لتحرير المنطقة من قبضة الهيمنة والتبعية.