الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

شبرا مصر


نعرف جميعا حى شبرا.. ذلك الحى المكتظ بالسكان وهو بوابة الدخول إلى القاهرة شمالًا للقادمين من محافظات الدلتا عبر الطريق الزراعى. ولحى شبرا تاريخ قديم فإنها لم تكن ضمن أحياء القاهرة ولكنها كانت ضاحية مثل المعادى وحلوان ويرجع الفضل فى تعميرها وإزدهارها إلى مؤسس مصر الحديثة محمد على باشا.
كانت شبرا فى الأصل جزيرة وسط النيل تعرف بجزيرة الفيل ومع مرور الزمن وبسبب إطماء النيل اتصلت تلك الجزيرة بالأرض لتصبح أرض شبرا وروض الفرج.
ويعود اسم شبرا إلى الاسم المصرى القديم جبرو ومعناها التل أو الكوم أو القرية والذى حُرف فى اللغة القبطية إلى شبرو ، وتعددت المناطق المعروفة باسم شبرا ، فمنها شبرا مصر وشبرا المظلات وشبرا الخيمة وحدائق شبرا. وذلك بالإضافة إلى نحو عشر قرى بمحافظات مصر تحمل اسم شبرا منها شبرا باص وشبرا خيت وشبرا النملة وشبرا خلفون . 
وذكر المقريزى شبرا الخيمة قائلا: "وتعرف بشبرا الخيمة أو الخيم أو الخيام لأن الناس كانوا يحتفلون سنويا بذكرى عيد الشهيد على اختلاف طبقاتهم فى خيام ينصبونها على شاطىء النيل بشبرا هذه للإقامة فيها عدة أيام عيد الشهيد فاشتهرت بشبرا الخيمة". وعن الإحتفال بعيد الشهيد قال : "كان يوجد بهذه القرية " أى شبرا " صندوق صغير من الخشب فى داخله أصبح شهيد من شهداء النصارى اسمه الشهيد أنبا يحنس، محفوظ بها دائما فإذا كان ثان شهر بشنس من الشهور القبطية يخرجون ذلك الأصبع من الصندوق ويغسلونه فى بحر النيل لزعمهم أن النيل لايزيد فى كل سنة حتى يلقوا فيه ذلك الأصبع ويسمون إحتفالهم بذلك عيد الشهيد.

لتعمير أى منطقة جديدة هناك أساسيات يحرص المخطط على توفيرها لضمان جذب السكان لهذه المنطقة الجديدة ودائما مايبدأ العمران بمبان للطبقة الأرستقراطية التى لديها من الإمكانيات التى تساعدها على سرعة وسهولة التنقل من وإلى تلك المناطق البعيدة والمدن الأم، وبطبيعة الحال تسعى الطبقات الأقل إليها للعمل ومع مرور الوقت ينشأ مجتمع جديد متكامل العناصر.
وللخروج من المنطقة المحصورة بين جبل المقطم ونهر النيل وللتوسع فى المساحة المأهولة فى مصر اختار محمد على باشا مكانا بعيدا عن المحروسة وبنى قصرا له بمنطقة شبرا على شاطىء النيل مباشرة وأمر أولاده وأفراد أسرته والأمراء ببناء القصور والبيوت على إمتداد الشارع المؤدى إلى شبرا.
وكان القصر الذى بناه محمد على عام 1809م على مساحة 50 فدانا،  وكان أول مبنى فى مصر يضاء بغاز الإستصباح سنة 1829م – وأهم مايميز القصر حدائقه الشاسعة التى تحيط به ، وعدد من تماثيل من الرخام الشفاف على شكل" سباع " تخرج من أفواهها المياه لتصب فى بركة كبيرة يسير بها قارب مذهب ولأن هذه الفسقية كانت من أبرز مافى قصر شبرا  فقد أطلق العامة على القصر "قصر الفسقية .
.. ولشدة اهتمام محمد على بالقصر خصص له عددًا من المهندسين الزراعيين ممن تم إرسالهم لتلقى دراستهم فى أوروبا للعناية بالقصر وحدائقه وزراعة كل ماهو مستحدث واستجلاب زراعات جديدة على مصر وزراعتها فى هذه الحدائق فقد خصص 100 فدان لهذه الزراعات ، ومنها العنب والتين والجوز والنبق والليمون والسرو ، ومن أشهرها "اليوسف أفندى" الفاكهة المعروفة لدينا، ولزراعتها وتسميتها بهذا الإسم قصة لطيفة ، حيث إن أحد الطلبة الذين بعث بهم محمد على لدراسة الزراعة فى فرنسا هو يوسف أفندى وعند عودته مع زملائه كانت رياح شديدة تسببت فى إقامته والعائدين معه نحو ثلاثة أسابيع بجزيرة مالطا وتصادف فى تلك المدة أن رست سفن حاملة أشجار مثمرة من الصين واليابان فاشترى منها يوسف افندى ثمانية براميل بها شجر مثمر من النوع المعروف الآن بإسم "يوسف أفندى"، وعندما وصل الى الإسكندرية وحدد له موعد لمقابلة " أفندينا "  ، حمل معه طبقًا به فاكهة من التى إشترى اشجارها وعندما تناولها محمد على أعجبته فسأل عن اسم الفاكهة ، وكان يوسف قبل مقابلته الباشا قد سأل بعض الحاشية عمن يحبه الوالى من أولاده أكثر من غيره فأخبره بأنه يحب "طوسون"  ، فأجاب الباشا أن هذه الفاكهة إسمها طوسون ، فتبسم محمد على وسأله ما إسمك؟ فقال يوسف فأمر الباشا بأن يتم تسميتها "يوسف أفندى" وأمر بزراعتها فى حديقة قصر شبرا ، فعرف هذا النوع بجهات شبرا وماحولها باسم "طوسون"   وعرف فى باقى الجهات بإسم "يوسف أفندى" وإلى الآن مازلنا نستمتع بهذه الفاكهة الشتوية .
ولتشجيع طلاب البعثات التى أرسلت إلى فرنسا وإيطاليا وكانوا 30 طالبا ، تم إعطاء كل واحد منهم 100 فدان ، فتحولت حدائق شبرا إلى حقول تجارب زراعية ، فبعد سنوات بسيطة تم نقل مدرسة الزراعة والمدرسة البيطرية إليها .
   ولأن محمد على كان مهتما بقصره فى شبرا وحدائقه خصص ذو الفقار باشا كتخدا للإشراف عليهما كما أمر أن تنقل إلى جوارها اسطبلات للخيول. وحفرت الترعة البولاقية سنة 1827م لرى أراضى الضاحية الجديدة وكانت تبدأ من منطقة كوبرى قصر النيل الحالية مرورا بشارع الترعة البولاقية ( الجلاء ) وصولا إلى شبرا وكانت تعرف هذه المنطقة باسم بولاق .
وفى عام 1847م أصدر محمد على أمرا بشق طريق متسع يتم تمهيده بين مصر وشبرا حتى يكون مكانًا للنزهة خارج القاهرة، ولذلك كان القرار بأن يكون هذا الشارع أعرض شوارع مصر وأكثرها استقامة. كما أمر بغرس أشجار اللبخ والجميز على جانبى الشارع بامتداده من باب قنطرة الليمون – كوبرى الليمون – بالقاهرة وحتى شبرا وعرف بشارع شبرا وظل على هذا الحال الى أن تم نقل كثير من أشجاره الى شارع الهرم الذى أنشأه الخديو إسماعيل بمناسبة زيارة الإمبراطورة أوجينى لمصر فى الاحتفال بافتتاح قناة السويس وتم إعادة غرس هذه الأشجار وزراعتها فى طريق الأهرام للتخفيف من حدة الشمس. ومن الطريف أن الناس أطلقوا على أزهار شجر اللبخ اسم "ذقن الباشا" لجمال لحيته!!
وكان يتم رش شارع شبرا بالمياه مرتين يوميا صباحا وعصرًا للتلطيف من درجة الحرارة صيفا وتثبيت تراب الشارع شتاء تشجيعا للناس على ارتياد الشارع للنزهة وتم لهذا الغرض تعيين العمال اللازمين للمحافظة على نظافته وجماله ورعاية أشجاره. وتحولت شبرا الى منطقة يسكنها الأمراء والباشوات والإستقراطيون ومن أشهر القصور التى أقيمت بشبرا قصر زينب هانم بنت محمد على باشا بشارع شبرا نفسه وقصر انجه هانم زوجة سعد باشا وقصر النزهة الذى جدده الخديو إسماعيل كاستراحة وللنزهة وقصر شيكولانى الحافل بالتماثيل النادرة.
شهد قصر شبرا كثيرا من الأحداث الهامة حيث التقى محمد على باشا بالأمير عبد الله بن سعود الذى تولى زعامة الوهابيين فى الجزيرة العربية بعد وفاة أبيه وذلك بعد ان انتصر عليه إبراهيم باشا وأسره وأرسله الى والده محمد على ، وأصطحب الأمير عبد الله عند اللقاء صندوقا به ماتبقى مما أخذه الوهابيون من الحجرة النبوية الشريفة .
كما زار السلطان العثمانى عبد العزيز قصر شبرا واستقبله الأميرعبد الحليم باشا خلال زيارته مصر لأول مرة فى عهد إسماعيل. وبعد وفاة محمد على عام 1849م آلت السراى وحدائقه الى ابنه عبد الحليم باشا الذى بنى قصرا آخر فى الحديقة كما بنى الخديو إسماعيل قصر النزهة ليقيم به طوسون باشا ابن سعيد باشا. ومع مرور الزمن تدهورت حالة القصور جميعها وتحولت إلى مدارس وكليات الزراعة وساء حال الحدائق الى أن استعادتها الدولة وتم ترميم  قصر شبرا.