الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

المعاناة الإنسانية.. عنوان ترشيحات أوسكار أفضل فيلم 2021


جاءت ترشيحات الأوسكار لعام ٢٠٢١ بكل فئاتها متأخرة نظرًا للتباطؤ الذي شهده المشهد السينمائي العام السابق بسبب جائحة كورونا، ولكنها جاءت مواكبة للظرف العام الذي يمر به العالم والشأن الداخلي للولايات المتحدة الأمريكية ومتماشية مع تغييرات طرق عرض الأفلام . 


من أهم الأسئلة التي تم طرحها عقب ترشيحات الأكاديمية الأمريكية لجوائز الأوسكار هذا العام، أين يمكن مشاهدة الأفلام المرشحة أو أين تمت مشاهدتها؟ وبعد مرور أكثر من عام وكثير من دور العرض السينمائية مغلقة في كثير من دول العالم أو إن لم تكن مغلقة فهي تشهد عزوفًا غير مسبوق وغير مألوف على مستوى العالم أدى إلى خسائر فادحة وهو مشهد جعل من منصات المشاهدة عبر الانترنت الرابح في هذه المعادلة الجديدة وأهم أرباحها جمهور السينما العريض الذي عزف عن الذهاب إلى دور السينما ولكنه لم يتراجع عن حبه وشغفه لمشاهدة أفلام السينما وأصبحت منصات المشاهدة الجديدة تقود جدول مشاهدة الأفلام الجديدة وذلك قد يرجع إلى أسباب التوزيع أو الانتاج أو كليهما أو مشاركة الانتاج. 


ولهذا فإن الإجابة عن سؤال أين يمكن مشاهدة ترشيحات أفضل أفلام على كل منصات البث الجديدة عبر الانترنت؟. كل ترشيحات جائزة أوسكار أفضل فيلم هذا العام بلا استثناء يمكن مشاهدتها على منصات نيتفليكس وأمازون برايم وهولو والبعض منهم منصة إنتاج أو توزيع أو مشارك إنتاج أو كل ما سبق. استحواذ غير مسبوق من منصات المشاهدة عبر الانترنت على جماهير عريضة كانت دور السينما ملاذهم لمشاهدة الأفلام الجديدة.

 
منعطف جديد لعلاقة الجماهير مع أفلامهم.
قامت الأكاديمية الأمريكية وهي الجهة المسئولة عن ترشيحات كل فئات جوائز الأوسكار بالإعلان عن 8 أفلام مرشحة لجائزة أوسكار أفضل فيلم. وهو عدد كبير مقارنة بأعوام سابقة. قمت بمشاهدة جميع الأفلام المرشحة هذا العام. وبالمناسبة استمتعت بمشاهدتها على منصات المشاهدة الجديدة والغريب أنني لم أفتقد إحساس المشاهدة داخل دار السينما. مشاهدة الأفلام الجديدة عبر المنصات أصبحت جزءا أصيلا من المناخ العام الذي نعيشه بسبب جائحة كورونا.  والفيلم الجيد لديه القدرة أن يلتهم حواسك بأحداثه دون أن تدري في أي مكان. الفيلم الجيد ينقلك إلى عالم آخر ولم يعد ينتظر تصريح شاشة دار عرض السينما كما كان في السابق. ومع ترشيحات الأوسكار هذا العام يمكننا أن نقول لأنفسنا وبكل جرأة أهلا بنا في عالم مشاهدة السينما الجديد من خلال المنصات العرض عبر الانترنت.


كنت أنتظر ترشيحات أفلام جوائز الأوسكار هذا العام وكلي شغف أعرف أين وصلت أفلام منصات العرض الجديدة من جوائز الأكاديمية وكما توقعت كانت منصات العرض لها نصيب لا يمكن تجاهله ويمكن أن أقول إن أفلامها في الصدارة وحتى أصبح إنتاج المنصات الجديدة يقف كتفًا بكتف مع كبرى شركات إنتاج هوليود المعروفة بعد أن كان يتقصر دخولها على بعض فئات الجوائز وعلى استحياء.


كان لابد لي أن أكتب هذه المقدمة الطويلة عن منصات المشاهدة قبل الحديث عن محتوى ترشيحات أفضل الأفلام لجوائز الأوسكار لعام ٢٠٢١ وذلك لأننا بالفعل نشهدًا تحولًا تاريخيًا لصناعة السينما يشابه التغيير الذي قامت به الإنترنت أو الشبكة العنكبوتية في مطلع القرن والتغيير الذي أحدثته وسائل الاتصال الاجتماعي لطرق تعاملنا مع المحتوى بكل أنواعه وطرق تصفحه ومشاهدته وها هي المنصات تغير عادات مشاهدة الأفلام والتي ستغير تباعًا استرتيجيات إنتاجها وميزانياتها في المستقبل القريب جدًا.


والآن إلى محتوى الأفلام المرشحة لأفضل فيلم ومحاور موضوعاتها، إذا بدأت حديثي بإعطاء عنوان عريض للأفكار الرئيسية لأفلام هذا العام سأعطيه عنوان التعافي من آلام معاناة التجارب الإنسانية وبدت لي الاختيارات وكأن الإنسانية مجروحة والإنسان في حالة تعثر للخروج من محنه. الأفكار العامة تحاول التصالح مع جروح الماضي وآلامه. بعد مشاهدة كل الأفلام أشعر وكأن الإنتاج السينمائي الهوليودي هذا العام يحاول مداواة جروح التجارب الشخصية والعامة ومنها جروح الولايات المتحدة الأمريكية نفسها التاريخية ويحاول رأب الصدع التاريخي في حياة أي أمة والجروح قد تبتعد زمنيًا ونعتقد أن الأيام قامت بمداواتها والحقيقة أنها أخفت الرماد القابع تحت أحداث السنوات المتتالية ولا تداوي الجروح لهذا يجب العودة للجرح والكشف عنه وإعطاؤه معنى إنسانيا جديدا ليتعافى الحاضر من آلام الماضي وهذا ما فعلته بعض الأفلام المرشحة خاصة التي تناولت حقبه تاريخية في تاريخ الولايات المتحدة. 


قد لا تكون مجموعة اختيارات هذا العام إن قارنتها بترشيحات سنوات مضت بنفس الوهج والابهار والبريق الهوليودي المعتاد، في البداية ستشعر بافتقاد إبهار الانتاج السينمائي الأمريكي ولكن عندما ترى الصورة كاملة ستشعر بقرب التجارب الانسانية وأهمية تناولها فليس كل شىء ابهار الانتاج لأنه وقتي بعض الأحيان، علينا أن نعود إلى قيمة الحياة وليس وهج الحياة الزائف. وترشيحات هذا العام جاءت وكأنها اعتراف من الأكاديمية بكم الجروح التي أصابت الإنسانية لا سيما وإننا نمر بسنوات وباء فيروس كورونا وكأن المعاناة حاولت تجسيد نفسها لنعيرها اهتمامنا فأزاحت الستار عن جميع أنواع المعاناة بغض النظر عن حجمها فانعكست في الانتاج وترشيحات جائزة أوسكار أفضل فيلم. والمعاناة قد تكون شخصية جدًا في بعض الأحيان ولكنها في النهاية تضيف للشعور العام بالمعاناة على مستوى الإنسانية. 


ترشيحات جوائز أفضل فيلم هذا العام هي مواكبة من الاكاديمية لأحداث العالم فيما يخص كم المعاناة التي سببتها جائحة كورونا من وجهة نظري واعتراف منها أن إنتاج صناعة الترفيه والفن قد يأتي مغلفًا في أعمال تعترف بجروحنا الغائرة وأن للفن السينمائي والدرامي دورًا كبيرًا وعظيمًا لنتعافى ونشفى ونتجاوز ونتصالح مع جروحنا وأن الإبهار ليس كل الفن. أصبح الإبهار للإنسانيات. وكمواكبة خفية للعزلة التي تعيشها البشرية بسبب كوفيد ١٩ اقترنت معظم أفكار المعاناة التي تم طرحها في الأفلام بالعزلة وهو العنوان الثانوي بعد المعاناة .. تم طرح معاناة البشرية وآلام عزلتها بشكل واضح امتد عبر الأفلام الثمانية. وهل العزلة سبب آلامنا أم سبب مواجهتها بشجاعة أم كليهما هي بعض الأفكار التي تم طرحها أيضًا.


الفيلم الأول وهو Minari ميناري وهو فيلم أمريكي جنوب كوري من إخراج لي إزاك تشانج  يتناول معاناة عائلة جنوب كورية مهاجرة لأمريكا وكل ما تأتي به الهجرة والغربة من تحديات من عقبات اللغة والاندماج والتوازن بين الجذور والبيئة الجديدة وأسباب عزلة الأقليات الآسيوية وتحديات اندماجهم. الفيلم إنساني لعبت شخصية الجدة دورًا محوريًا. قد يكون الفيلم استكمالًا لنجاح فيلم الأوسكار الجنوب كوري من العام الماضي ”بارزيت“ Parasite واحتواء هذا النجاح في فيلم أمريكي الصنع وقد يكون جزءًا من عرض معاناة الأقليات الأسيوية أو معاناة المهاجرين أو احتواء نزاعات الكراهية المتصاعدة داخل أمريكا نحو الجنسيات الآسيوية وفي كل الحالات هو نوع من التصالح أو المصالحة على آلام الآخرين.


الفيلم الثاني هو Nomadland أو أرض الترحال من إخراج المخرجة الصينية كلويه زاوو وهو أمريكي الانتاج والتوزيع. الفيلم من بطولة المممثلة الأمريكية فرانسيس ماكدورماند (٦٣ عامًا) والتي أدت دورها ببراعة شديدة دون الكثير من الكلام. الفيلم يتناول محاولات التخلص من ألم الفراق بالترحال والبعد عن أماكن الفقد وذكرياتها. الفيلم يدور في إطار الغرب الأمريكي الشهير ولكن البطلة امرأة وهو مزيج جديد لنكهة أفلام الغرب الأمريكي المشهور بذكوريته. الفيلم مزيج من تسليط الضوء على آلية الإنسان في تجاوز الألم بالترحال. التصالح على الأحزان والخروج من دائرتها دون الإسهاب في واقعة الفقد. فالفيلم رحلة تعافٍ وتجاوز.


الفيلم الثالث وهو من توزيع شركة آمازون ستوديوز فيلم Sound of Metal أي صوت موسيقي الميتل (وهو نوع من أنواع الموسيقى الصاخبة) وهو من إخراج داريوس ماردر الفيلم من بطولة الممثل الإنجليزى ريز أحمد وهو أيضًا موسيقي. الفيلم رحلة تعرف على الذات بعد تجربة صادمة ورحلة تعافٍ من محنة فقدان السمع لعازف موسيقى الميتل. الفيلم رحلة تصالح مع الذات من خلال رسالة روحانية وليست دينية وهي رحلة الوصول للحظة السكون الروحي الداخلي التي تتخطى كل حواجز تحديات الحياة في العقل. رحلة كاشفة عن قوة العقل وقدرته في التوقف عن الإصرار في العيش في المعاناة. الفيلم يتناول مفهوما عميقا لفكرة العالم الداخلي للنفس البشرية التي تتصالح مع نفسها بقوة من داخلها. 


الفيلم الرابع وهو الفيلم الأمريكي Promising young woman أو امرأة شابة واعدة وهو من إخراج المخرجة الإنجليزية إيميرلد فينيل ومن بطولة الممثلة الإنجليزية كاري ماليجن. كما يبدو لي أنه الفيلم النسائي لمجموعة ترشيحات أفضل فيلم هذا العام. وهو أيضًا يعكس عدم قدرة الإنسان على التصالح مع ذكريات مؤلمة والتي تتحول إلى رحلة اضطرابات نفسية وانتقام. الفيلم هو الوجه الآخر لرحلة المعاناة مع اضطربات عدم التصالح. الفيلم قد يكون يتناول قضية تأثير حوادث الاغتصاب ولكن جرعة الاضطراب والانتقام الممزوجة بالشر تجعلك تقف عند اعتاب دائرة من الاضطرابات الشديدة قد تنسيك التعاطف مع البطلة ضحية الذكريات المؤلمة. الفيلم فيه قدر من العزلة العقلية للبطلة.


الفيلم الخامس هو فيلم The father أو الأب وهو فيلم إنتاج فرنسي بريطاني ومن بطولة الفنان المخضرم أنثوني هوبكينز من إخراج المخرج الفرنسي فلورين زيلر والفيلم يتناول معاناة التقدم في السن وآثار فقدان الذاكرة أو مرض الزهايمر والتكيف مع معطيات جديدة للحياة من زواية الأب والأبنة. الفيلم واقعي ويمثل صراعا حقيقيا تعيشه كثير من الأسر. 


المعاناة الممزوجة بعزلة تقدم العمر والمرض معًا. 
الفيلم السادس والسابع هما The trial of the Chicago 7 وفيلم Judas and the black Messiah وسبب دمجي الحديث عن الفيلمين معًا أن الفيلمين يتطرقان لنفس الحقبة والأحداث التاريخية في وقعتين مختلفتين تمامًا ولكنهما يحدثان في إطار نفس أحداث عنف مدينة شيكاغو في نهاية الستينيات من القرن الماضي. أحداث الفيلمين مستوحاة من أحداث حقيقة ومعظمها سياسي. والفيلمان بمنتهي البساطة يحاولان التطرق إلى أحداث الصيف الماضي في الولايات المتحدة وظهور العداء الشديد بين قوات الشرطة وأبناء الشعب من أصحاب البشرة الداكنة بالرجوع إلى تاريخ العلاقة في التاريخ الحقيقي للولايات المتحدة. في الفيلم الأول The trail of Chicago 7 أو محاكمة مجموعة شيكاغو 7 والمعروض على نيفليكس تدور الإحداث في صورة محاكمة لمجموعة شيكاغو 7 وهي محاكمة حقيقية حدثت بالفعل وكانت تحاول العثور على دليل عن من الذي بدأ أحداث عنف شيكاغو هل هم مجموعات مناهضي الحرب الثوريين أم الشرطة وهو للأسف جدلًا مستمرًا حتى يومنا هذا في كثير من الأحداث.


الفيلم يحاول حل هذه المعضلة بالرجوع إلى جذورها السياسية. الفيلم الثاني Judas and the Black Messiah يتناول علاقة حزب الفهود السود وواضح من اسمه أن اعضاءه هم الأمريكيون من البشرة الداكنة مع الشرطة وكانت العلاقة تاريخيًا شائكة جدا من أحداث الفيلم. الفيلم في اعتقادي يحاول طرح الأحداث الشائكة في محاولة لمصالحة الأمريكيين السود على تاريخهم الذي عانوا فيه من العنصرية والتي أدت إلى ظهور جماعات مثل بلاك لايفز ماتر Black lives matter  الصيف الماضي في مظاهرات واسعة النطاق في معظم الولايات الأمريكية بعد كل هذه السنوات. 


الفيلمان يتناولان نفس الحقبة التاريخية نفس الصراعات بين السلطة البيضاء في أمريكا والمواطنين السود والمجموعات المناهضة للحرب في ذلك الوقت. الفيلمان يكشفان عن أحداث تاريخية في إطار سياسي ممتزجة بإسقاط واضح لكل ما مرت به الولايات المتحدة العام الماضي ومطلع هذا العام. إنها المعاناة المستمدة من جروح التاريخ الغائرة الناتجة عن ممارسات العنصرية.


الفيلم الثامن والأخير هو Mank أو مانك وهو فيلم من أفلام السيرة الذاتية وهو مأخوذ عن قصة حياة كاتب السيناريو هرمان مانكيوتز في تركيز على كتابته  لشخصية وفيلم المواطن كين. الفيلم من إخراج دافيد فينشر ومن إنتاج شركة نيتفليكس والفيلم كتبه والد المخرج جاك فينشر. الفيلم نخبوي ذكي ويقدم التحية إلى عالم هوليود نفسه في فترة الثلاثينيات وتم تصويره بالأبيض والأسود والأحداث مزيج ذكي بين دوائر الفن والسياسة والإعلام والانتاج السينمائي معًا وذلك من خلال إلقاء الضوء على دوائر تداول الأفكار في انتاج الأفلام من خلال الشخصية الرئيسية وهو مانك. والذي أعاد التعرف على ذاته باستكمال كتابه سيناريو المواطن كين والاصرار على وضع اسمه عليه بعد أن طُلب منه عكس ذلك في البداية. كانت رحلة تعافيه جسديًا من حادث سيارة السبب في كتابة أفضل سيناريوهاته ورحلة لإعادة الثقة إلى كتاباته وهو السيناريو التي نال عنها جائزة الأوسكار بالرغم من تعارض المصالح حوله. المعاناة هنا معاناة تصادم المناخ المعقد مع موهبة كاتب يحاول استرجاع مكانته. برع البطل جاري أولدمان في رسم شخصية مانك.

 
نشهد مع الأفلام الثمانية المرشحة لجائزة أوسكار أفضل قرار من جانب الأكاديمية الأمريكية لإعلاء المعاناة الإنسانية والقدرة على التغلب عليها وتجاوزها من مختلف الزوايا ومحاولات لاحتواء الثقافات المختلفة ومحاولات لحل جذور المشاكل .. الاعتراف بهزائمنا الإنسانية هي أقصر الطرق للتعافي منها.