في العاشر من رمضان، الموافق للسادس من أكتوبر عام 1973، لم تكن مجرد لحظة عبور جغرافي لمانع مائي حصين؛ ذلك الأخدود الذي جمع بين عنفوان التيارات الجارفة، وجدران السواتر الترابية الشاهقة، وأفخاخ النيران الكامنة، ليُشكل في مجموعه أعقد منظومة دفاعية عرفها التاريخ الحديث. بل كانت تلك اللحظة ميقاتاً لتجلٍّ كبير للروح المصرية في أسمى صورها؛ حين فككت إرادة الصائمين شفرة المستحيل المادي، وتوضأ جنود مصر بالصبر فصمدوا وعبروا، وأثبتوا للعالم أن العقيدة القتالية لا تكتمل إلا بمدد من السماء، وأن جوع الأبدان المتبتلة كان وقوداً لإرادة لم تعرف الانكسار، فغدا العطش نهراً من اليقين ارتوت منه رمال سيناء.
ومع انقشاع غبار اللحظات الأولى للاقتحام في "القنطرة شرق" و"لسان بورتوفيق"، تكشفت أمام عيون جنودنا مشاهدُ لم تكن في الحسبان؛ فداخل تلك القلاع التي ظن العدو أنها عصية، وجد أبطالنا مخازن "المؤن" تفيض بما لذ وطاب من ثمرات ومعلبات فاخرة، كانت تفتقر إليها جبهة الصمود في سنوات التقشف. هنا، برز معدن المقاتل المصري في أبهى صور الصمود؛ فبينما كانت الشفاه الظامئة تئن تحت لهيب الشمس، لم تلتفت النفوس الأبية لما فاضت به مخازن العدو من زاد، ومضت في طريقها غير مكترثة بترفٍ تركه وراءه خصمٌ مرعوب.
لقد أدرك الجندي المتدين أن صومه في قلب المعركة هو ذروة سنام العبادة، فلم يكن الحرمان من الطعام والشراب عائقاً، بل كان "درعاً روحياً" صقل معدنه الإيمان. وتحت لهيب الشمس وبين وهج المدافع، ضرب أبطالنا بعرض الحائط رُخص الإفطار التي حملتها إليهم فتاوى الإمام الأكبر عبد الحليم محمود تيسيراً عليهم، واختاروا ألا يكسروا صيامهم إلا بنصر مبين أو شهادة زكية، ليبرهنوا أن القوة الحقيقية تكمن في يقين القلوب لا ضمن الحسابات المادية الجافة، مستلهمين بذلك فلسفة الثبات التي أرساها القرآن الكريم في قوله تعالى من سورة الأنفال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» صدق الله العظيم.
إن تلك الصفات الفريدة التي تجسدت في جندي العاشر من رمضان ابن أرض الكنانة لم تكن وليدة الصدفة، بل هي جينات "خير أجناد الأرض" التي تظل عصية على الفهم في مراكز الدراسات الصهيونية على مر العصور. ففي كل مواجهة، يرتعد فرائص العدو من تلك "التركيبة المصرية" التي تمزج بين الصبر الأسطوري واليقين الغيبي؛ وهي الإرث الممتد في جينات هذا الشعب، والقوة الرابضة في صدوره إلى أن تقوم الساعة، مصداقاً لقول النبي ﷺ: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جنداً كثيفاً، فذلك الجند خير أجناد الأرض.. لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» صدق رسول الله ﷺ."
ختاماً عزيزي القارئ، سيبقى "صيام النصر" ملحمةً خالدة تتجاوز حدود الزمان، تبرهن للأجيال أن النسُك والعمل صنوان لا يفترقان، وأن القوة التي دكت الحصون كانت تكمن في تلك الأفواه الجافة والصدور المؤمنة. فسلامٌ على جيلٍ لم يكسر صيامه إلا بنخب الكرامة، وسلامٌ على أمةٍ تدرك أن مائدة النصر لا تفتح أبوابها إلا لمن توضأ بالصبر، فاستحق أن يُكتب اسمه بمدادٍ من نور في سجل الخالدين.