الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

منال الشرقاوي تكتب: رقصة السعادة

منال الشرقاوي
منال الشرقاوي

في لحظة من لحظاتي التأملية لمجريات الحياة، طلت على ذهني حكمة قديمة كادت تنساب كأنغام ساحرة من بين خيوط الزمن: "كلما كان اهتمامك أقل، كلما كانت سعادتك أعظم." وجاء السؤال،هل هي جاذبية فلسفية تتلاعب بأرواحنا، أم مجرد تأمل ذهني يعيد ترتيب ألغاز الحياة؟
تلك الجملة البسيطة تفتح أبواباً إلى عالم معقد من التفكير، فتجعلنا نسأل عن طبيعة العلاقة بين الاهتمام والسعادة. هل هي فعلاً جاذبية فلسفية تتقن رقصتها على أوتار أرواحنا، أم هي مجرد تأملات ذهنية تعزف لحنها بأنامل الحكمة؟ هل في تقليل حمولة اهتماماتنا يكمن سر السعادة، أم أن هناك جوانب أخرى تتطلب اهتمامنا وتلوح في أفق الحياة بجمالها الخفي؟
قد تكون هذه العبارة مثل بذرة صغيرة في أرض خصبة، تنمو وتتفتح لتصبح حقيقة لامعة. يبدو أن الحياة اليومية تحمل أعباء لا تحصى، والبحث عن السعادة قد يصبح شبه مستحيل في غمرة الانشغالات والالتزامات! وإذا كانت السعادة تتسلل عبر أبواب القلب عندما يكون الإنسان أقل اكتراثًا، فلنلقِ نظرة على ذلك المفهوم. قد يكون إرخاء الروح وترك الهموم جانباً أمرًا يتطلب مهارة خاصة، كما يحكي كتّاب الخيال الأدبي في قصصهم عن شخصيات يحققون السعادة بتحويلهم لفصول جديدة في كتاب الحياة.
قد يكون السر في هذا الاكتراث الأقل هو تحويل الانتباه إلى الجمال الصامت الذي يكمن في التفاصيل الدقيقة للحظة الحاضرة. ربما هو إعادة اكتشاف اللحظات البسيطة التي تفوتنا في صخب الحياة. كما لو كنا نتخلى عن أثقال الأمس وأعباء الغد، لتظهر لنا الحياة بمظهرها الأجمل.
ومع ذلك، يظل السؤال قائمًا في ذهني: هل يمكن أن يكون الاكتراث القليل مفتاحًا حقيقيًا للسعادة، أم أن هناك رحلة داخلية أعمق يجب أن نخوضها لنكتشف أسرار البهجة الحقيقية؟
في أعماق هذه التساؤلات، تكمن لحظات التأمل ، حيث يتغنى قلمي برقصه على وتيرة هذه الفلسفة الخفية.قد يكون في تحديد حدود الاكتراث والتفرغ لتلك اللحظات البسيطة هو سر تحقيق السعادة. ربما يكون في ترتيب أفكارنا وتصفية ذهننا من زخات الاضطرابات، هو الطريق إلى الهناء. 
في هذا السياق، يمكن أن يكون الاكتراث القليل هو نافذة صغيرة نفتحها لندع الضوء الدافئ يتسلل إلى حياتنا.ومع ذلك، يبقى الاعتبار أن هناك جوانب أخرى للحياة تستدعي اهتمامنا، لا سيما وأننا نعيش في واقع يتخلله متغيرات لا يمكن تجاهلها. هل يمكن أن يكون التوازن بين الاكتراث والاهتمامات الضرورية هو السر الحقيقي لتحقيق السعادة؟
نعم، فالتوازن بين الاهتمام بالآخرين واحترام احتياجات الذات يمكن أن يكون مفتاحًا لتحقيق السعادة. فهو محور أساسي يرشدنا نحو تحقيق الرضا الشخصي. وفي هذا السياق، يعتبر التوازن فنًا يحتاج إلى دقة وفهم عميق للأولويات، وإدراك أن هذا التوازن لا يعني التضحية الدائمة لصالح الآخرين أو الانغماس في اهتماماتنا الشخصية بشكل طاغٍ. تحقيق التوازن يتطلب أيضًا فهمًا عميقًا للحياة واستيعاب الحقائق البسيطة بأن السعادة لا تأتي من الأمور المادية فقط، بل من العلاقات الإيجابية والتواصل الفعّال. يمكن للإنسان أن يستمتع بلحظات الفرح الصغيرة ويحترم آراء الآخرين دون التضحية بأهدافه الشخصية.
وفي نهاية هذه الرحلة التأملية نكتشف أن مقولة "كلما كان اهتمامك أقل، كلما كانت سعادتك أكثر" تحمل في طياتها حكمة عميقة وهي مفتاح الراحة النفسية. إنَّ في تقليل الاهتمامات يكمن سرُّ فهم فن الحياة بأبسط تفاصيلها. عندما نتحرر من الأعباء الذهنية المفرطة ونركز على الأشياء الحقيقية والجوانب المفرحة، نجد السعادة تتسلل إلى حياتنا، حيث يمنحنا التخلي عن التفاصيل الزائدة حرية التنفس والاستمتاع بلحظات الفرح. الاهتمام الزائد يُلبسنا ثوب القلق والتوتر، في حين أن التقليل منه يمنحنا فرصة للتفاعل بشكل أكثر أريحية وسكينة.