تحل اليوم /الإثنين/ ذكرى رحيل الفنان الكبير محمد الدفراوي، أحد الرموز البارزة في تاريخ الدراما والمسرح المصري، والذي قدم نموذجا للفنان الجاد القادر على ترك أثره من خلال الأداء المتقن، بعيدا عن السعي وراء البطولة المطلقة أو الظهور السريع.
ولد محمد الصغير أحمد الدفراوي في 29 مايو عام 1931، بمدينة دسوق، وبعد حصوله على الشهادة الابتدائية، انتقل مع اسرته إلى القاهرة لاستكمال تعليمه، ولم يكن يفكر أنذاك في امتهان التمثيل، حتى زار المخرج والفنان الدكتور إبراهيم سكر مدرسته في نهاية مرحلة البكالوريا لاختيار ممثلين لعرض مسرحية "ماكبث" ، فوقع اختياره على محمد الدفراوي ليجسد دور البطولة أمام الفنانة نعيمة وصفي التى كانت تدعم المواهب الشابة ، وشاركت المسرحية ضمن عروض طلابية تنافست على «كأس الجمهورية» على خشبة المسرح القومي بالأزبكية، ونجح العرض في حصد الكأس، ليكون ذلك البوابة الأولى له إلى عالم الفن.
ودرس الدفراوي في كلية الآداب جامعة القاهرة، وبتشجيع من زملائه وأساتذته للاتجاه لدراسة التمثيل، التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية وتخرج عام 1955، وبعد التخرج انضم إلى المسرح القومي وتسلم أوارق تعيينه في سبتمبر 1956.
وفي تلك المرحلة ، أمن بموهبته المخرج المسرحي الكبير فتوح نشاطي، وأسند إليه بطولة مسرحية "سلطان الظلام" للكاتب المسرحي رشاد رشدي، مجسدا شخصية "نيكيتا" ، وهو الدور الذي لفت الأنظار إلى قدراته التمثيلية ومهد لتوالي مشاركاته المسرحية المهمة ، حيث شارك منذ أواخر الخمسينيات في عدد من العروض أبرزها "قهوة الملوك " عام 1959، "بلاد بره" عام 1967 ، و"اليوم المفقود" عام 1988 ، وهي تجارب أسهمت في صقل أدواته ومنحته قدرة خاصة على الأداء والانضباط.
وبعد نجاحه المسرحي ، فتحت السينما أبوابها أمامه ، فشارك عام 1959 كبطل في خمسة أفلام هى: "الله أكبر" ، "حب ودلع" ، "سمراء سيناء" ، "قبلني في الظلام" ، "بطل للنهاية" إلى جانب كبار النجوم تلك الفترة ، ثم واصل حضوره السينمائي في أعمال لاحقة، منها "مدينة الصمت" عام 1973، "لن يغيب القمر" 1985، "سلام يا صاحبي" 1986، "ولاد الإيه" 1989، وصولا إلى أفلام بارزة في التسعينيات مثل "الطريق إلى إيلات" و"الإرهابي" عام 1994، و"الواد محروس بتاع الوزير" عام 1999.
وعلى صعيد الدراما التلفزيونية، بدأ ظهوره في الستينيات من خلال مسلسلات "عروس اليمامة" عام 1964 ، "المطاردة" 1969 و"الهاربان" 1976، ثم توالت مشاركاته في أعمال تركت حضورا واسعا ، أشهرها مسلسل "محمد رسول الله" عام 1978 في دور فرعون ،الذي ساهم في ترسيخ شهرته ، تلاه أعمال بارزة مثل "دموع في عيون وقحة" عام 1980، "الوسية" 1990، "ذئاب الجبل" 1993، و"إمام الدعاة " 2002 ، وكان آخر ظهوره التلفزيوني من خلال مسلسل "الصيف الماضي" عام 2010.
وامتدت موهبة محمد الدفراوي إلى الإذاعة والدوبلاج ، حيث شارك في عدد من المسلسلات الإذاعية، من بينها "أبواب المستحيل الخمسة"، كما اشتهر بأدائه الصوتي المميز، فقدم صوت شخصية «شرشبيل» في مسلسل "السنافر"، وأدى صوت ملك أطلانطس في النسخة العربية من فيلم «أطلانطس: القارة المفقودة» عام 2001، مؤكدا قدراته الصوتية اللافتة.
وبلغ رصيد الفنان الراحل أكثر من 270 عملا فنيا ، تنوعت بين المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة والدوبلاج، كما شغل منصب وكيل نقابة الممثلين لسنوات طويلة ، ونال العديد من التكريمات تقديرا لمسيرته ، من بينها شهادة تقدير من الرئيس محمد أنور السادات عام 1979، وشهادة تقدير في العيد الفضي للتليفزيون عام 1985، ودرع مهرجان المسرح العربي عام 2004، وتكريمه في المهرجان الدولي للمسرح التجريبي عام 2005، إلى جانب مهرجان القاهرة للإعلام العربي في دورته الرابعة عشرة.
رحل محمد الدفراوي عن عالمنا في 5 يناير عام 2011 عن عمر ناهز 82 عاما، بعد صراع مع مرض الكبد ومضاعفاته، وشيعت جنازته من مسجد السيدة نفيسة، وبرحيله فقدت الساحة الفنية فنانا أمن بأن قيمة الفنان في رسالته قبل شهرته ، فترك إرثا فنيا عامرا لا يزال شاهدا على موهبة لم تبحث عن الأضواء بقدر ما صنعتها.