في عالمٍ يُفترض أنه تحكمه القوانين الدولية، وتحميه المواثيق الأممية، وتضبط إيقاعه أعراف الدبلوماسية، يظهر “البلطجي” فجأة بلا قناع، متحررًا من كل قيد، لا يعترف إلا بمنطق القوة، ولا يرى في الدولة إلا كيانًا هشًا إذا لم يمتلك أنيابه.
ما نشهده اليوم من سلوك أمريكي متغوّل، بلغ حد التهديد الصريح باعتقال رؤساء دول، والتعامل مع سيادة الدول وكأنها شقق مفروشة في حيّ خاضع للنفوذ، ليس سوى تجسيد فجّ لبلطجة سياسية مكتملة الأركان، تقودها إدارة لا تعبأ بقانون دولي ولا بميثاق أممي ولا حتى بأبسط قواعد الاحترام بين الدول.
إن ما يُثار بشأن ملاحقة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ومحاولات تجريده من حصانته، والتلويح بمحاكمته خارج إطار أي شرعية دولية، يكشف حجم الانحدار الذي وصلت إليه السياسة الأمريكية في عهد دونالد ترامب، حيث تحوّل الرئيس الأمريكي من قائد دولة عظمى إلى زعيم عصابة سياسية يدير العالم بعقلية “الكاوبوي” لا بعقل الدولة.
ترامب… حين تتحول الدولة إلى قبضة
لم يكن ترامب يومًا معنيًا بالقانون الدولي، ولا بحقوق الإنسان، ولا بحرمة السيادة الوطنية. منذ اللحظة الأولى، أعلنها صراحة: “أمريكا أولًا”، لكن الترجمة العملية لهذا الشعار كانت:
القوة أولًا… والحق لمن يملكها.
فرض العقوبات، تهديد الانقلابات، خنق الشعوب اقتصاديًا، استخدام القضاء كسلاح سياسي، والتعامل مع الرؤساء المنتخبين كـ”مجرمين محتملين”… كل ذلك لم يكن استثناءً، بل سياسة ممنهجة.
وهنا، لا يعود السؤال: ماذا تفعل أمريكا؟
بل: من يوقف هذا الانفلات؟
الصمت العالمي… شراكة في الجريمة
الأخطر من البلطجة ذاتها، هو هذا الصمت العالمي المريب.
أين الأمم المتحدة؟
أين مجلس الأمن؟
أين دعاة النظام العالمي القائم على القواعد؟
لم نسمع بيانًا غاضبًا، ولا جلسة طارئة، ولا حتى قلقًا دبلوماسيًا.
وكأن العالم اعتاد أن تكون أمريكا فوق المحاسبة، وخارج أي مساءلة.
وهنا تتعرّى المنظمات الدولية، وتسقط الأقنعة عن من باعونا وهم “حقوق الإنسان” و”الحرية” و”العدالة الدولية”.
ازدواجية فجة… ووقاحة أخلاقية
هذه المنظمات نفسها لم تكن يومًا صامتة حين تعلق الأمر بمصر.
تقارير لا تنتهي.
بيانات إدانة جاهزة.
تحريض سياسي مغلف بلغة حقوقية.
لكن حين تُقصف غزة بلا رحمة
• يُقتل الأطفال والنساء على الهواء مباشرة تُفرض الحصارات الجماعية و تُهدد سيادة الدول علنًا
يختفي الصوت…
وتصاب الضمائر بالخرس.
أي نفاق هذا؟
وأي منظومة قيم تُدار بهذا القدر من الانتقادات
فما حدث في غزة ليس مجرد عدوان، بل شهادة وفاة أخلاقية للنظام الدولي.
أمريكا ليست فقط داعمًا سياسيًا، بل شريكًا مباشرًا، بالمال والسلاح والغطاء الدبلوماسي.
وهنا يتضح المشهد كاملًا:
من يملك القوة، يملك الرواية.
ومن يملك الرواية، يدفن الضحايا تحت صمت العال
وسط هذا الخراب، تتردد كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي كتحذير استراتيجي لا كشعار عاطفي
العفي… محدش يقدر يأكل لقمته.”
لم تكن جملة عابرة، بل تشخيصًا دقيقًا لعالم لا يعترف إلا بالقوة، ولا يحترم إلا من يستطيع الدفاع عن نفسه.
ما نراه اليوم يؤكد أن القانون وحده لا يكفي و الأخلاق وحدها لا تحمي و النوايا الحسنة لا تردع البلطجية
القوة وحدها… هي لغة هذا العصر.
الخلاصة: أنا والبلطجي
هذا المقال ليس دفاعًا عن نظام، ولا تبريرًا لأخطاء، بل صرخة وعي.
العالم لم يعد ساحة عدالة، بل حلبة صراع.
ومن يراهن على القانون دون قوة، كمن يواجه بلطجيًا بورقة شكوى.
ترامب لم يبتدع البلطجة، لكنه خلع عنها القفاز، وقال ما لم يجرؤ غيره على قوله:
القوة تصنع الحق.
ويبقى السؤال الأخطر:
هل نتعلم الدرس؟
أم ننتظر دورنا في غرفة النوم؟