قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. محمد عسكر يكتب: كيف يصنع العالم العربي قيمة حقيقية من التحول الرقمي؟

د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى
د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى

يشهد العالم العربي في السنوات الأخيرة حراكاً متسارعاً في مسار التحول الرقمي، يتجسد بوضوح في تجربتين متلازمتين: التوسع في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، والاستثمار المكثف في إنشاء مراكز بيانات ضخمة. ورغم أن هاتين التجربتين تعكسان وعياً متنامياً بدور التكنولوجيا في رسم ملامح المستقبل الاقتصادي والسيادي، فإن السؤال الجوهري اليوم لم يعد مرتبطاً بحجم ما يُبنى، بل بطبيعة ما سيُنتج: هل نحن بصدد تأسيس منظومة رقمية منتجة، أم نكتفي بتشيّد بنية تحتية متقدمة دون تعظيم حقيقي للعائد المعرفي والاقتصادي؟
لا يمكن إنكار أن عدداً من الدول العربية، لا سيما في منطقة الخليج، تجاوزت مرحلة الإدراك النظري لأهمية الذكاء الاصطناعي، وانتقلت فعلياً إلى مرحلتي التخطيط والتنفيذ. فقد أُطلقت استراتيجيات وطنية، وأُنشئت وزارات وهيئات متخصصة، وبدأت تطبيقات عملية بالظهور في قطاعات حيوية مثل الخدمات الحكومية، والمدن الذكية، والصحة، والطاقة.
بالتوازي مع ذلك، شهدت المنطقة توسعاً ملحوظاً في إنشاء مراكز بيانات ضخمة، أُنجز بعضها بشراكات مع كبرى شركات التكنولوجيا العالمية. وقد باتت هذه المراكز تمثل اليوم العمود الفقري للحوسبة السحابية، وتحليل البيانات، وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ومن حيث المظهر العام، تبدو المنطقة وكأنها تحجز لنفسها موقعاً متقدماً على خريطة الاقتصاد الرقمي العالمي، غير أن هذه الصورة الإيجابية تخفي وراءها اختلالات هيكلية عميقة تستدعي التوقف عندها وتحليلها بجدية
التحدي الأول: الفجوة بين البنية والتوظيف
يتمثل أحد أبرز تحديات المرحلة الراهنة في أن وتيرة التقدم في البنية التحتية الرقمية تفوق بكثير نضج منظومة الاستخدام الفعلي. فبناء مركز بيانات ضخم أو استضافة منصة عالمية للذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة إنتاج معرفة محلية، ولا يضمن تقديم حلول عربية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية القائمة. وفي كثير من الحالات، تُسخَّر هذه البنى لتشغيل خدمات مستوردة أو استضافة بيانات غير محلية، بينما يظل المحتوى العربي، والبحث التطبيقي، والشركات الناشئة العميقة محدودة التأثير والانتشار.
التحدي الثاني: رأس المال البشري
الذكاء الاصطناعي ليس مجرد مشروع هندسي، بل هو بالدرجة الأولى مشروع معرفي يحتاج إلى عقول متخصصة وقدرات بحثية عالية. ورغم التحسن الملحوظ في البرامج التعليمية والتدريبية، لا تزال المنطقة تواجه نقصاً واضحاً في:
•    الباحثين المتخصصين في الذكاء الاصطناعي المتقدم.
•    مهندسي البيانات وقادة تطوير النماذج الكبيرة.
•    الخبرات القادرة على تحويل الخوارزميات إلى حلول عملية ومنتجات ملموسة.
والأخطر من ذلك هو استمرار هجرة العقول، إذ تنتج مؤسسات التعليم المحلي كفاءات مؤهلة، لكنها تضطر للبحث عن بيئات بحثية وتمويلية أكثر دعماً خارج المنطقة، ما يضعف أثر الاستثمار في تطوير المواهب محلياً.
التحدي الثالث: البيانات والسيادة الرقمية
لا يمكن لأي نظام ذكاء اصطناعي أن يكون فعّالاً دون توفر بيانات ضخمة، عالية الجودة، وقابلة للاستخدام والتطوير. وهنا تواجه الدول العربية تحدياً مزدوجاً: من جهة، ضعف إتاحة البيانات المفتوحة، ومن جهة أخرى، غياب أطر واضحة لحوكمة البيانات وحماية الخصوصية. كما أن الاعتماد المفرط على منصات خارجية يثير تساؤلات جدية حول السيادة الرقمية، خصوصاً في القطاعات الحساسة مثل الصحة والطاقة والخدمات الحكومية.
التحدي الرابع: الاستدامة والطاقة
مراكز البيانات الضخمة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء والمياه، وهو تحدٍ بالغ في منطقة تعاني أصلاً من تحديات بيئية ومناخية.  السؤال الجوهري هنا: هل نبني مراكز بيانات المستقبل بعقلية الأمس؟ فغياب الدمج المنهجي للطاقة المتجددة وتقنيات التبريد الذكي قد يحوّل هذه المراكز من أداة للتقدم إلى عبء طويل الأمد على البيئة والاقتصاد.
لمواجهة هذه التحديات، أصبح من الضروري الانتقال من الاستثمار في الشكل إلى الاستثمار في القيمة، عبر أربعة مسارات متكاملة:
أولاً: ربط مراكز البيانات بالبحث والابتكار
يجب ألا تقتصر مراكز البيانات على كونها منشآت تشغيلية، بل ينبغي أن تتحول إلى منصات إنتاج معرفي حقيقي، من خلال:
•    العمل كحاضنات بحثية متخصصة.
•    دعم تطوير نماذج محلية للذكاء الاصطناعي.
•    توفير بنية تحتية داعمة للجامعات والشركات الناشئة.
ثانياً: الاستثمار الجاد في العنصر البشرى
التدريب السريع لم يعد كافياً، فنجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي يعتمد على رأس المال البشري المؤهل. لذلك، يجب التركيز على:
•    برامج دكتوراه وبحث تطبيقي متقدم.
•    تمويل طويل الأمد للباحثين والمبتكرين.
•    خلق بيئة تسمح بالتجريب والفشل كجزء من عملية التعلم والابتكار.
ثالثاً: بناء منظومة بيانات عربية
نجاح الذكاء الاصطناعي لا يتحقق دون بيانات متاحة ومؤطرة بشكل جيد. ومن هنا، يأتي دور:
•    سن تشريعات حديثة وواضحة لإدارة البيانات وحمايتها.
•    فتح قواعد بيانات غير حساسة لأغراض البحث والابتكار.
•    تشجيع التعاون الإقليمي بدلاً من العمل المنعزل بين الدول والمؤسسات.
رابعاً: التحول إلى مراكز بيانات خضراء
التوسع في مراكز البيانات يجب أن يواكب معايير الاستدامة، عبر:
•    الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
•    تبني تقنيات تبريد متقدمة وفعّالة.
•    وضع معايير صارمة للكفاءة البيئية لضمان استدامة البنية الرقمية.
ما تحقق حتى الآن في مجالي الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات في العالم العربي مهم، لكنه غير كافٍ. نحن ننجح في بناء الأساس، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عند السؤال: ماذا نُنتج بهذه البنية؟
فالمستقبل الرقمي لا يُقاس بعدد الخوادم ولا بحجم الاستثمارات، بل بقدرتنا على تحويل التكنولوجيا إلى معرفة، والمعرفة إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى تنمية مستدامة. وهذا هو التحدي الحقيقي للمرحلة القادمة.