تُعد مؤشرات البحث العلمي اليوم من أهم الأدوات لقياس القدرة التنافسية للدول في الاقتصاد العالمي الجديد، ليس فقط لأنها تعكس حجم الإنتاج المعرفي، وإنما لأنها تكشف كذلك عن مستوى التأثير العلمي ومدى ارتباط الجامعات والمراكز البحثية بقضايا التنمية والتكنولوجيا والابتكار. وفي هذا الإطار تبرز قاعدة بيانات سيماجو، وهي منصة دولية تعتمد على بيانات النشر والاستشهادات العلمية لعرض أداء الدول في البحث العلمي، وتُظهر المؤشرات للفترة الممتدة من 1996 حتى 2024 أن هناك خمس دول في محيطنا الإقليمي والدولي تسير في مسارات بحثية متباينة هي: تركيا، إسرائيل، المملكة العربية السعودية، جنوب أفريقيا، ومصر، بما يعكس اختلاف السياسات والاستثمارات والقدرات المؤسسية، وليس مجرد اختلاف في عدد الأبحاث المنشورة. وتكتسب هذه المقارنة أهمية إضافية إذا أخذنا في الاعتبار الفوارق السكانية بين هذه الدول؛ فعدد سكان تركيا يقترب من 88 مليون نسمة، بينما يبلغ عدد سكان إسرائيل نحو 10 ملايين نسمة تقريبًا، في حين تتجاوز مصر 108 مليون نسمة، وتقترب السعودية من 36 مليونًا، وجنوب أفريقيا من 65 مليونًا، وهو ما يجعل قراءة المؤشرات أكثر دقة عند المقارنة بين دول تختلف في الحجم السكاني وبنية منظوماتها التعليمية والبحثية.
تشير البيانات إلى أن تركيا استطاعت أن تبني كتلة إنتاجية ضخمة من حيث حجم النشر، حيث تجاوز إجمالي إنتاجها العلمي مليون بحث خلال الفترة محل الدراسة، كما أنها سجلت في عام 2024 أكثر من 82 ألف بحث لتحتل موقعًا متقدمًا عالميًا في الإنتاج السنوي (المرتبة 15 عالميًا). وهذا يعكس توسعًا مؤسسيًا واضحًا في القدرة على النشر العلمي، وتناميًا في حضور الجامعات التركية داخل منظومة النشر الدولية.
وفي المقابل، تظهر إسرائيل بصورة مختلفة؛ فرغم أن إجمالي إنتاجها العلمي أقل من تركيا، إلا أنها تتفوق بوضوح في مؤشرات التأثير العلمي، سواء من حيث إجمالي الاستشهادات (المرتبة 22 عالميًا)، أو من حيث مؤشر هيرش (المرتبة 17 عالميًا)، وهو مؤشر مركب يقيس الأثر العلمي من خلال الجمع بين حجم الإنتاج وعدد الاستشهادات. ويشير ذلك إلى أن النموذج الإسرائيلي يتجه بصورة أكبر نحو تعزيز جودة النشر وربط البحث العلمي بمسارات التكنولوجيا والابتكار، ما ينعكس على ارتفاع أثره العلمي عالميًا. وتبرز هنا ملاحظة مهمة تتعلق بالسياق السكاني؛ إذ تُظهر حالة إسرائيل أن محدودية الحجم السكاني لا تعني محدودية الحضور العلمي، وأن ارتفاع مؤشرات التأثير مقارنة بعدد السكان يعكس كفاءة منظومة البحث العلمي وقدرتها على إنتاج معرفة عالية الأثر.
أما المملكة العربية السعودية فتبرز بوصفها نموذجًا للنمو السريع خلال السنوات الماضية، حيث ارتفع عدد أبحاثها المنشورة سنويًا من حدود 6528 بحثًا في عام 2010 إلى أكثر من 72 ألف بحث في عام 2024 (المرتبة 18 عالميًا)، مما جعلها الدولة الأولى عربيًا في النشر العلمي للعام الثاني عشر على التوالي، وهو نمو كبير يعكس استثمارات مكثفة في البنية التعليمية والبحثية، وتوسيع الشراكات الدولية، وجذب الباحثين، وتطوير الجامعات بما يتسق مع خطط التحول الوطني والاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، فإن جنوب أفريقيا تقدم نموذجًا متوازنًا نسبيًا يجمع بين قاعدة نشر جيدة (المرتبة 34 عالميًا) ومستوى تأثير يتطور تدريجيًا (المرتبة 32 عالميًا)، وهو ما يعكس أهمية الاستمرارية في السياسات البحثية طويلة الأجل.
وعند قراءة وضع مصر في هذه المؤشرات، نجد أن مصر حققت حجم إنتاج علمي يُعد مهمًا، بإجمالي يقارب 435 ألف بحث خلال الفترة (1996–2024)، وهي قيمة تضعها ضمن الدول النشطة علميًا عالميًا (المرتبة 38 عالميًا). كما أن إجمالي الاستشهادات الذي تجاوز 7 ملايين استشهاد يعكس وجود حضور علمي ممتد وتراكم معرفي (المرتبة 39 عالميًا). لكن قراءة المؤشرات المركبة مثل مؤشر هيرش (المرتبة 45 عالميًا) تشير إلى أن المرحلة القادمة يجب أن تركز بصورة أكبر على تعظيم “الأثر العلمي” للنشر المصري، أي تعزيز جودة الأبحاث المنشورة، وزيادة معدل الاستشهادات، ورفع التنافسية في الموضوعات ذات التأثير العالي عالميًا، بما يدعم الانتقال من مرحلة التوسع في النشر (المرتبة 25 عالميًا) إلى مرحلة تعظيم القيمة العلمية والاقتصادية للأبحاث، خصوصًا أن قاعدة الإنتاج الحالية تُمثل أساسًا قويًا يمكن البناء عليه.
ويتسق هذا الاتجاه تمامًا مع ما تؤكد عليه رؤية مصر 2030 من ضرورة بناء اقتصاد قائم على المعرفة والتنوع والقدرة التنافسية، وربط التعليم والبحث العلمي بالتحول الاقتصادي والاجتماعي. كما تدعم الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي هذا المسار من خلال مفهوم “جامعات الجيل الرابع”، التي تدمج التعليم والبحث والابتكار وريادة الأعمال، وتعمل بوصفها منصات إنتاج وتطبيق، وليس مجرد مؤسسات تعليمية تقليدية. ومن ثم، فإن مؤشرات سيماجو يمكن أن تُستخدم كأداة داعمة لصانع القرار والجامعات في تتبع التحسن، وقياس جودة النشر، وتوجيه التمويل البحثي نحو الأولويات الوطنية، وبناء منظومة بحثية أكثر ارتباطًا بقضايا الصناعة والطاقة والمياه والصحة والتحول الرقمي، بما يعزز من القيمة المضافة للبحث العلمي ويزيد من أثره محليًا ودوليًا.
إن التقدم في مؤشرات البحث العلمي لا يُقاس فقط بزيادة عدد الأبحاث المنشورة، بل كذلك بتعظيم أثر هذا الإنتاج وربطه بالتنمية، وهو ما يجعل المرحلة القادمة فرصة لتعزيز الشراكات البحثية الدولية، وتشجيع النشر في المجلات الأعلى تصنيفًا، ودعم الفرق البحثية متعددة التخصصات، وتطوير سياسات التحفيز الأكاديمي بحيث تكون قائمة على الجودة والتأثير، إلى جانب تشجيع البحوث التطبيقية القادرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية. ومن هنا يصبح البحث العلمي أحد أعمدة بناء الدولة الحديثة، وأحد أدوات تنفيذ رؤية مصر 2030 بصورة عملية، عبر منظومة متكاملة تُترجم الأرقام إلى أثر، والنشر إلى تنافسية، والمعرفة إلى اقتصاد.