يأتي هذا المقال استكمالًا لسلسلة مقالات «حرب الهوية» بأجزائها الثلاثة السابقة، والتي تناولت جذور الصراع على وعي المجتمعات العربية، وأدوات تفكيك الانتماء، وآليات إعادة تشكيل الوعي الجمعي بعيدًا عن الثوابت التاريخية والوطنية.
وإذا كان الجزء الأول قد ركّز على الإطار النظري للمخططات الغربية، والجزء الثاني على الأدوات الإعلامية والثقافية، بينما تناول الجزء الثالث المراحل التنفيذية وتأثيرها على الداخل، فإن هذا الجزء يسعى إلى الانتقال من التحليل العام إلى الوقائع التفصيلية، وربط ما جرى ويجري بسياقه الزمني والسياسي والثقافي، دون اجترار لما سبق.
حرب الهوية لم تكن يومًا فكرة مجردة، ولم تبدأ كخطاب ثقافي عابر، بل ظهرت ملامحها بوضوح مع التحولات الكبرى التي شهدها العالم العربي منذ مطلع الألفية الجديدة. فبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، تغيّرت نظرة الغرب إلى المنطقة، ليس فقط باعتبارها مصدر تهديد أمني، بل كمساحة تحتاج إلى «إعادة تشكيل». هذا المفهوم لم يُطرح سرًا، بل جاء في وثائق رسمية ومراكز أبحاث، كان أبرزها الطروحات التي نُسبت إلى برنارد لويس، والتي ركزت على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الجيوش، بل في الهوية الجامعة التي تمنح المجتمعات قدرة على الصمود.
في عام 2003، شكّل غزو العراق نقطة تحول حاسمة. لم يكن إسقاط النظام وحده هو الهدف، بل تفكيك بنية الدولة نفسها. حلّ الجيش، إلغاء المؤسسات، وإعادة ترتيب المجتمع على أسس طائفية وعرقية، كلها خطوات موثقة تم تنفيذها خلال شهور قليلة. هذه الوقائع لم تُخفَ، بل نُشرت تفاصيلها في تقارير أمريكية رسمية لاحقًا.
النتيجة كانت واضحة: دولة بلا هوية جامعة، ومجتمع بلا مرجعية موحدة. هذا النموذج أصبح لاحقًا مرجعًا ذهنيًا لكيفية إدارة الصراعات دون الحاجة إلى احتلال مباشر.
بعدها بعام واحد، طُرح مشروع «الشرق الأوسط الكبير» عام 2004، والذي ركز في جوهره على إصلاحات ثقافية وتعليمية وإعلامية. اللافت في هذا المشروع أنه لم يتحدث عن الجيوش أو الحدود، بل عن المناهج، الإعلام، دور المرأة، والمجتمع المدني.
هنا بدأ الانتقال من الصدام الخشن إلى التأثير الناعم، حيث يصبح التغيير نابعًا من الداخل، أو هكذا يبدو.
ومع اندلاع أحداث 2011، دخلت حرب الهوية مرحلة التنفيذ العلني. في مصر، لم يكن المشهد مقتصرًا على صراع سياسي، بل على إعادة تعريف مفاهيم أساسية: ما معنى الدولة؟ من هو الرمز؟ وما حدود النقد؟ خلال تلك الفترة، تصاعد خطاب التشكيك الكامل، ليس في الأشخاص فقط، بل في الفكرة ذاتها. جرى التعامل مع التاريخ باعتباره عبئًا، ومع الرموز باعتبارها أصنامًا يجب تحطيمها، دون تقديم بديل معرفي أو وطني.
بعد 2013، ومع استعادة الدولة لجزء كبير من توازنها، تغيّر الأسلوب مرة أخرى.
الهجوم المباشر أصبح أقل جدوى، فانتقلت المعركة إلى مساحات أكثر هدوءًا وتأثيرًا: الفن، الدراما، السينما، والمنصات الرقمية. بين عامي 2015 و2023، يمكن رصد تحوّل ملحوظ في طبيعة المحتوى المقدم، حيث غابت الصورة المتماسكة للهوية المصرية، وحلّ محلها سرد مشوش، يقدّم الفرد معزولًا، والمؤسسة كيانًا هشًا، والرمز التاريخي مادة قابلة لإعادة التشكيل وفق مزاج السوق.
الأخطر في هذه المرحلة أن جزءًا كبيرًا من هذا المسار لم يُفرض من الخارج، بل شارك فيه فاعلون من الداخل.
صناع محتوى، كتّاب، ومبدعون، تعاملوا مع التاريخ والرمز باعتبارهما مادة خام للجدل والربح. لم يكن الهدف تقديم قراءة نقدية جادة، بل إثارة الضجيج، لأن الضجيج يعني مشاهدة، والمشاهدة تعني تمويلًا وانتشارًا. في هذا السياق، تحولت الهوية إلى سلعة، وتحوّل الجدل إلى استراتيجية.
هذا النمط لا يمكن فصله عن التحولات الاقتصادية في صناعة الإعلام والفن. مع صعود المنصات الرقمية، أصبح المحتوى المثير للانقسام هو الأكثر رواجًا. الأعمال التي تطرح أسئلة عميقة بهدوء لا تجد مساحة، بينما تلك التي تصدم المتلقي وتربكه تحظى بالدعم والترويج.
النتيجة أن الجمهور يتعرض يوميًا لرسائل غير مباشرة تُعيد تشكيل وعيه دون أن يشعر، وتزرع الشك مكان الثقة، والسخرية مكان الاحترام.
في التعليم، لم يكن المشهد أفضل حالًا. خلال السنوات الأخيرة، تراجعت المساحة المخصصة للتاريخ الوطني في المناهج، وتم تقديمه في صورة معلومات منفصلة عن سياقها. الطالب يعرف التواريخ، لكنه لا يفهم لماذا حدثت، ولا ما الذي تعنيه له. هذا التفريغ المعرفي خلق أجيالًا أقل ارتباطًا بذاكرتها، وأكثر قابلية لتبني سرديات بديلة، حتى لو كانت مشوهة أو مبتورة.
حتى المجال الرياضي، الذي كان تاريخيًا مساحة للوحدة والانتماء، أصبح ساحة استقطاب حاد. منذ نحو عام 2019، تصاعد خطاب التحريض في البرامج الرياضية، وتحولت المنافسة إلى معركة هوية مصغرة، تُستخدم فيها لغة التخوين والسخرية. هذا المناخ لا يُنتج وعيًا، بل يكرس الانقسام، ويُضعف أي شعور جمعي مشترك.
كل هذه الوقائع، عند وضعها جنبًا إلى جنب، تكشف أن حرب الهوية ليست حدثًا منفصلًا، بل مسارًا ممتدًا. ما بدأ كمخططات في مراكز أبحاث، تحوّل إلى سياسات، ثم إلى محتوى، ثم إلى سلوك يومي. الأخطر أن هذا المسار يعتمد على التراكم البطيء، لا على الصدمة المفاجئة، ما يجعله أكثر تأثيرًا وأصعب مقاومة.
الربط بين ما يحدث اليوم وما طُرح قبل عقود ليس ترفًا تحليليًا، بل ضرورة لفهم الصورة الكاملة. فحين تُشوَّه الرموز، ويُفرغ التاريخ من معناه، ويُقدَّم الجدل باعتباره فضيلة مطلقة، نكون أمام عملية إعادة تشكيل للوعي، لا تقل خطورة عن أي عدوان عسكري. الفرق الوحيد أن هذه الحرب لا تُرى بسهولة، ولا تُواجه بالدبابات، بل بالوعي.
إن استكمال الحديث عن حرب الهوية لا يهدف إلى إثارة الخوف، بل إلى استعادة القدرة على الفهم. فالمجتمع الذي يدرك ما يتعرض له، يصبح أكثر قدرة على حماية نفسه. النقد مطلوب، والمراجعة ضرورية، لكن الفارق كبير بين النقد المسؤول والهدم المجاني، وبين إعادة قراءة التاريخ وتشويهه لخدمة مصالح آنية.
في النهاية، تبقى المعركة الحقيقية هي معركة الوعي. فالدولة التي تحافظ على ذاكرتها، وتحمي رموزها دون تقديس أعمى، وتفتح المجال لنقاش واعٍ لا هدام، هي دولة تملك مستقبلها. أما التي تترك هويتها نهبًا للجدل الرخيص والربح السريع، فإنها تساهم، عن قصد أو دون قصد، في تنفيذ أخطر مراحل التفكيك.