يُعد القطب الشمالي اليوم ساحة تنافس متصاعد بين القوى العالمية الكبرى، لأسباب استراتيجية متعددة، يتصدرها السعي إلى استغلال موارد طبيعية هائلة، وفتح طرق تجارية جديدة، وضمان نفوذ جيوسياسي واسع.
ويعود هذا الاهتمام المتزايد إلى أهمية المنطقة التي لم تعد مهملة كما في الماضي، بعد أن أصبح من الممكن الوصول إلى مواردها بسهولة أكبر؛ بسبب ذوبان الجليد الناجم عن التغير المناخي.
الصراع على القطب الشمالي
تحتل روسيا موقعاً بارزاً في هذا السباق؛ فهي تسعى باستمرار إلى استعادة حضورها العسكري والسياسي في القطب الشمالي الذي تراجع بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
وتنعكس هذه الاستراتيجية، في تعزيز القوات العسكرية، وطرح خطط لتعزيز وجودها، إذ تعتبر موسكو المنطقة جزءا محوريا من أمنها القومي ومصالحها في البحر والموارد.
من جهتها، تؤكد الولايات المتحدة في استراتيجيتها الحديثة للقطب الشمالي، أن هذه المنطقة تمثل عنصرًا أساسيًا في أمنها القومي وأمن حلف شمال الأطلسي، مما يفسر تحركاتها وسعيها لإعادة تأكيد نفوذها الجيوسياسي هناك.
وأدى ذلك، إلى تصاعد التوتر بين واشنطن وموسكو، حيث يرى البعض أن الولايات المتحدة تسعى إلى تقييد التأثير الروسي في المنطقة، ومن ثم توسيع حضورها عبر دعم حلفائها في المنطقة.
الصين تدخل صراع الجليد
أما الصين، فترى أن لها دوراً في مستقبل القطب الشمالي رغم أنها ليست دولة قطبية، فقد وضعت استراتيجية خاصة بهذه المنطقة منذ عام 2018 تركز على تعزيز قدراتها العلمية والبحثية، وبناء أحدث كاسحات الجليد لدخول الساحة القطبية، وتأكيد مشاركتها في ما تسميه “المصير المشترك للبشرية”.
وتحاول الصين من خلال ذلك، أن تكون فاعلاً اقتصادياً واستراتيجياً لا يُستهان به، وهو ما دفعها إلى جذب اهتمام الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية.
وفي أوروبا، رغم أن الوجود هناك أقل حدة مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا والصين؛ إلا أن بعض الدول الإسكندنافية تسعى أيضا إلى لتعزيز وضعها في المنطقة.
النرويج وفنلندا والسويد يسعون لزيادة النشاط العسكري والمراقبة في المياه والمجالات الجوية للقطب الشمالي، بينما تعيد آيسلندا تفعيل وجودها الأمني.
وبالرغم مما سبق؛ لا تزال معظم أقاليم القطب الشمالي خالية من انتشار عسكري دائم وفاعل، ما يعكس تبايناً في أولويات القوى الأوروبية تجاه المنطقة.
وبحسب الخبراء، يظل التنافس في القطب الشمالي محركاً أساسياً في السياسات الدولية المعاصرة، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية، ولن ينحسر هذا الصراع قريبا، بل من المرجح أن يتعمق في السنوات المقبلة؛ مع استمرار تغير المناخ، وظهور فرص جديدة للوصول إلى المصادر الطبيعية والممرات البحرية الحيوية.





