في مدينة دافوس السويسرية، التي تحولت على مدار عقود إلى عاصمة غير رسمية لصناعة القرار العالمي، يلتقي الاقتصاد بالسياسة، وتُنسج التفاهمات الكبرى بعيداً عن صخب المؤتمرات التقليدية.
وعلى هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، يبرز لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بنظيره الأمريكي دونالد ترامب كأحد أبرز المحطات السياسية في جدول أعمال المنتدى هذا العام، ليس فقط لرمزية اللقاء، بل لما يحمله من ملفات شديدة الحساسية تتصدر المشهد الإقليمي والدولي، وفي مقدمتها مستقبل قطاع غزة، وأزمة مياه النيل، ومستقبل الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وواشنطن في عالم يتغير بسرعة.
لقاء دافوس: دبلوماسية في قلب الاقتصاد العالمي
أكدت الرئاسة المصرية، في بيان رسمي، أن اللقاء المرتقب بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب يأتي في إطار بحث آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وسبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة، بما يخدم مصالح البلدين ويدعم الاستقرار الإقليمي والدولي.
ويُعقد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير، وسط مشاركة غير مسبوقة من قادة دول، ورؤساء حكومات، ومسؤولين دوليين، إلى جانب كبار المستثمرين والرؤساء التنفيذيين للشركات العالمية، في توقيت يشهد فيه العالم حالة من السيولة الجيوسياسية، والتباطؤ الاقتصادي، وتصاعد النزاعات الإقليمية.
ومن منظور أمريكي، يُنظر إلى هذا اللقاء باعتباره فرصة لإعادة تثبيت أركان الشراكة مع مصر، باعتبارها أحد أهم حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، وركيزة أساسية لأي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية في المنطقة.
غزة في صدارة المشهد.. المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار
يأتي اللقاء في ظل تطورات متسارعة تتعلق بمستقبل قطاع غزة، خاصة بعد إعلان الإدارة الأمريكية بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، والذي شاركت القاهرة بدور محوري في صياغة ترتيباته الأمنية والسياسية.
وتتضمن هذه المرحلة إعلان تشكيل ما يُعرف بـ"مجلس السلام" في قطاع غزة، إلى جانب الكشف عن "المجلس التنفيذي التأسيسي" المكلف بالإشراف على تنفيذ الخطة الشاملة لإنهاء الحرب، فضلاً عن الإعلان عن تشكيل لجنة وطنية فلسطينية لإدارة شؤون القطاع خلال المرحلة الانتقالية.
من وجهة النظر الأمريكية، تمثل هذه الترتيبات اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الصراع إلى بناء السلام، بينما تُعد مصر، بحكم الجغرافيا والخبرة السياسية والأمنية، شريكاً لا غنى عنه في ضمان نجاح هذه المرحلة ومنع انزلاق الأوضاع مجدداً نحو الفوضى.
لقاء ثانٍ بعد العودة إلى البيت الأبيض
اللقاء المرتقب في دافوس هو الثاني بين الرئيسين السيسي وترمب منذ عودة الأخير إلى البيت الأبيض، بعد اللقاء الأول الذي جمعهما على هامش قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر الماضي، والتي شهدت توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بعد حرب استمرت عامين.
ويرى مراقبون في واشنطن أن وتيرة اللقاءات بين القيادتين تعكس إدراكاً أمريكياً متزايداً بأن القاهرة تمثل "شريك استقرار" في منطقة تعاني من هشاشة أمنية متزايدة، بدءاً من غزة، مروراً بالسودان وليبيا، وصولاً إلى القرن الإفريقي.
العلاقات المصرية الأميركية.. تاريخ طويل وشراكة متجددة
تمتد العلاقات المصرية الأمريكية لما يقرب من 175 عاماً، حيث بدأ الوجود الدبلوماسي الأمريكي في مصر عام 1849، قبل أن تعترف واشنطن رسمياً باستقلال مصر عام 1922.
وخلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات الألفية الجديدة، تطورت هذه العلاقات إلى شراكة استراتيجية شاملة شملت التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي، لتصبح مصر أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
واليوم، وفي ظل تحولات النظام الدولي، تسعى واشنطن إلى إعادة ضبط تحالفاتها التقليدية بما يتناسب مع التحديات الجديدة، بينما تنظر القاهرة إلى علاقتها مع الولايات المتحدة باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق التوازن في سياساتها الخارجية.
مطالب القاهرة.. الأمن أولاً ثم الاقتصاد
تشير المصادر إلى أن القاهرة تسعى من خلال هذا اللقاء إلى ضمان دور فاعل في الترتيبات الأمنية لقطاع غزة، والمشاركة في قوة الاستقرار الدولية، باعتبار أن استقرار غزة ينعكس مباشرة على الأمن القومي المصري.
ولا يقل ملف الأمن المائي أهمية، حيث تؤكد مصر أن أي حل لأزمة النيل يجب أن يضمن حقوقها التاريخية ويمنع الإضرار بحصة المصريين من المياه.
السيسي في دافوس.. حضور سياسي واقتصادي مكثف
وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مطار زيورخ الدولي للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، وكان في استقباله عدد من كبار الدبلوماسيين المصريين.
ومن المقرر أن يعقد الرئيس لقاءً ثنائياً مع رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورجي برنده، يعقبه مشاركة في جلسة حوار مخصصة لمصر داخل القاعة الرئيسية، يلقي خلالها كلمة شاملة حول رؤية مصر للاقتصاد العالمي.
كما يشارك الرئيس في جلسة مغلقة مع نحو 60 من الرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات العالمية المهتمة بالاستثمار في مصر.
رؤية اقتصادية.. دافوس من منظور الخبراء
يرى الدكتور هاني الشامي، الخبير الاقتصادي وعميد كلية إدارة الأعمال بجامعة المستقبل، أن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام يحمل عدة إيجابيات استراتيجية بالغة الأهمية، سواء على مستوى الاقتصاد العالمي أو على صعيد الدول المشاركة، وفي مقدمتها مصر.
ويؤكد الشامي أن الزخم الدولي غير المسبوق في حجم الحضور من قادة دول، ورؤساء حكومات، وصناع قرار اقتصادي، وقيادات كبرى الشركات العالمية يعكس أن دافوس لا يزال المنصة الأهم لتشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، خصوصاً في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي والتحديات الاقتصادية المتراكمة.
منصة للحوار في زمن الأزمات
يشدد الشامي على أن شعار المنتدى هذا العام "روح الحوار" يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يشهد العالم تصاعداً في الصراعات التجارية، واضطرابات سلاسل الإمداد، وتراجع الثقة بين القوى الكبرى. ويضيف أن مجرد جمع هذا العدد من الأطراف المتباينة على طاولة واحدة يُعد مكسباً بحد ذاته، لأنه يفتح المجال أمام التفاهم وتخفيف حدة الاستقطاب.
فرصة ذهبية لمصر
وفيما يخص مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي، يوضح الدكتور هاني الشامي أن الحضور المصري في جلسة مخصصة لمصر داخل القاعة الرئيسية يمثل رسالة قوية للمستثمرين مفادها أن مصر طرف فاعل في النقاشات الاقتصادية العالمية، وليس مجرد متلقٍ للتأثيرات.
ويؤكد أن اللقاءات الثنائية مع قيادة المنتدى وكبار المسؤولين الدوليين تسهم في تحسين الصورة الذهنية للاقتصاد المصري، وإبراز الإصلاحات الاقتصادية، وفرص الاستثمار، وموقع مصر كمحور إقليمي مهم.
الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الجديد
ويرى الشامي أن إدراج الذكاء الاصطناعي في صدارة النقاشات يعكس وعياً متزايداً بكونه محرك النمو القادم، مشيراً إلى أن دافوس يوفر مساحة متوازنة تجمع بين رؤى الشركات الكبرى ومخاوف النقابات وصناع السياسات، وهو ما يساعد على صياغة سياسات أكثر واقعية وعدلاً.
من الكلام إلى الفعل
ورغم الانتقادات الموجهة للمنتدى، يختتم الدكتور هاني الشامي حديثه بالتأكيد على أن قيمة دافوس الحقيقية تكمن في كونه نقطة انطلاق، حيث تتحول الأفكار والشبكات التي تُبنى هناك إلى شراكات واستثمارات واتفاقات لاحقة، مشدداً على أن الدول التي تُحسن استثمار وجودها مثل مصر تستطيع تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية ملموسة.
في عالم تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، وتتشابك فيه الأزمات الإقليمية مع المصالح الدولية، يأتي لقاء السيسي وترمب في دافوس ليعكس إدراكاً متبادلاً بأن الاستقرار لم يعد خياراً، بل ضرورة. وبين غزة والنيل، وبين الأمن والاستثمار، تُفتح في دافوس نافذة جديدة لإعادة صياغة الشراكة المصرية–الأميركية، في لحظة مفصلية قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط والعالم.