لا يدخل الإنسان إلى الزواج فارغ اليدين، مهما ظن أنه يبدأ صفحة جديدة. يدخل محمّلًا بصور قديمة، ومشاعر غير مُسماة، وتجارب تشكلت في أول بيت عرفه. ذلك البيت الذي لم يكن مجرد سقف وجدران، بل كان مسرحًا صامتًا لتعلم الحب، والخلاف، والأمان، والخوف، والانسحاب، والاحتواء. العلاقة بين الوالدين ليست ذكرى عابرة في طفولة الابن أو الابنة، بل هي النموذج الأول، واللغة الأولى التي تُترجم لاحقًا داخل الزواج، أحيانًا دون وعي، وأحيانًا رغم المقاومة.
الزواج لا يبدأ من لحظة العقد، بل يبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة، في الطريقة التي رأينا بها أبًا يتحدث إلى أم، أو أمًا تصمت أمام قسوة، أو أبًا يغيب دون تفسير، أو أمًا تحاول إنقاذ بيت وحدها. تلك المشاهد لا تُنسى، بل تُخزن في الداخل، وتتحول مع الوقت إلى معتقدات عن الحب، والالتزام، والصراع، والانسحاب.
الطفل الذي نشأ في بيت يسوده الاحترام، لا يتعلم فقط كيف يحب، بل يتعلم كيف يختلف دون أن يهدم، وكيف يعبر دون أن يؤذي، وكيف يستمع دون دفاعية. في المقابل، الطفل الذي كبر وسط صراعات غير منتهية، أو صمت ثقيل، أو عنف لفظي أو نفسي، يتشبع بفكرة أن العلاقة ساحة معركة، أو مساحة خطر، أو عبء يجب احتماله لا الاستمتاع به.
العلاقات الوالدية المضطربة لا تخلق أشخاصًا فاشلين في الزواج بالضرورة، لكنها تخلق أشخاصًا يدخلون الزواج وهم في حالة دفاع، أو ترقب، أو محاولة دائمة للسيطرة على ما يخشونه. بعضهم يكرر النموذج ذاته لأنه مألوف، وبعضهم يذهب إلى النقيض تمامًا، لكنه يظل أسيرًا له، يتصرف بدافع الهروب لا الاختيار.
كثير من الخلافات الزوجية التي تبدو بسيطة على السطح، تخفي تحتها جذورًا أعمق. الغضب المبالغ فيه قد لا يكون بسبب موقف عابر، بل لأنه أيقظ إحساسًا قديمًا بعدم الأمان. الانسحاب المفاجئ قد لا يكون تجاهلًا، بل أسلوب تعلمه الشخص قديمًا ليحمي نفسه. الغيرة الزائدة قد تكون امتدادًا لطفولة افتقرت إلى الطمأنينة. والبرود العاطفي قد يكون درعًا تشكل في بيت لم يعرف التعبير.
العلاقات الوالدية تؤثر أيضًا على تصور الأدوار داخل الزواج. من نشأ وهو يرى الأم تتحمل كل شيء، قد يدخل الزواج وهو يتوقع التضحية الصامتة من الشريكة، أو يشعر بالذنب إذا طلب منها دعمًا. ومن نشأت وهي ترى أبًا غائبًا عاطفيًا، قد تعتاد على التقليل من احتياجاتها، أو تختار شريكًا يعيد إنتاج الغياب لأنه مألوف.
حتى طريقة إدارة الخلاف، نتعلمها قبل أن نفهم معناها. هل كان الخلاف يُناقش؟ أم يُقمع؟ هل كان ينتهي باعتذار؟ أم يظل جرحًا مفتوحًا؟ هذه التفاصيل الصغيرة تشكل قدرة الزوجين لاحقًا على الحوار، أو تحول أي اختلاف بسيط إلى أزمة وجودية تهدد العلاقة.
اللافت أن كثيرين يعتقدون أنهم تخلصوا من أثر بيوتهم القديمة لمجرد أنهم يرفضونها فكريًا. لكن الرفض وحده لا يكفي. ما لم يتم فهم التجربة، وتحليلها، والاعتراف بتأثيرها، فإنها تعود للظهور في أكثر اللحظات حساسية داخل الزواج. في التعب، في الخلاف، في الشعور بعدم التقدير، تظهر الأصوات القديمة، ويتصرف الشخص لا كما يريد، بل كما تعلم.
استقرار الزواج لا يعني غياب الخلاف، بل يعني القدرة على التعامل معه دون استدعاء الماضي بكامله. لكن هذا الاستقرار يصبح هشًا عندما يدخل الطرفان العلاقة وهما يحملان جروحًا غير مرئية، ويتوقعان من الزواج أن يشفيها تلقائيًا. الزواج لا يشفي الطفولة، ولا يعوض الحرمان، ولا يصلح صورة الأب أو الأم. هو مساحة شراكة، لا غرفة علاج نفسي.
العلاقات الوالدية الصحية لا تضمن زواجًا مثاليًا، لكنها تمنح أساسًا أكثر صلابة. تمنح القدرة على الثقة، وعلى التعبير، وعلى رؤية الشريك كإنسان لا كخصم. في المقابل، العلاقات الوالدية المؤلمة لا تحكم بالفشل، لكنها تتطلب وعيًا مضاعفًا، وجهدًا أكبر، واستعدادًا لمواجهة الذات قبل محاسبة الآخر.
كثير من الأزواج يخوضون معارك ليست لهم. يتشاجرون باسم خيبات قديمة، ويغضبون دفاعًا عن طفل داخلي لم يُنصت له يومًا. الزوجة التي تبالغ في رد فعلها قد لا تدافع عن موقف، بل عن إحساس قديم بالتجاهل. والزوج الذي يرفض النقاش قد لا يكون عنيدًا، بل خائفًا من تكرار مشاهد رأى نهايتها مؤلمة.
هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل نعرف ما الذي نحمله معنا إلى الزواج؟ هل نميز بين ما يخص علاقتنا الحالية، وما هو صدى لعلاقات سابقة عشناها دون اختيار؟ الوعي لا يلغي الأثر، لكنه يمنع تحوله إلى سلوك أعمى يهدد الاستقرار.
اللافت أيضًا أن بعض الزيجات تنهار ليس بسبب قسوة الواقع، بل بسبب صدمة التوقعات. من نشأ في بيت مثالي ظاهريًا، قد يصطدم بحقيقة أن الزواج يتطلب جهدًا، وصبرًا، وتنازلات. ومن نشأ في بيت فوضوي، قد يشعر بالملل أمام علاقة مستقرة لأنه اعتاد الاضطراب واعتبره دليل حياة.
استقرار الزواج ليس صدفة، بل نتيجة وعي متراكم. وعي بأن الشريك ليس نسخة من الأب أو الأم، وأن الخلاف ليس تهديدًا بالهجر، وأن التعبير لا يعني ضعفًا، وأن الحب لا يُقاس بالصمت ولا بالصراخ. هذا الوعي يبدأ من الاعتراف بأن البيت الأول ترك أثره، سواء أحببنا ذلك أم لا.
في جوهر الأمر، العلاقات الوالدية لا تحدد مصير الزواج، لكنها ترسم خريطته الأولى. إما أن نعيش داخل هذه الخريطة دون مراجعة، أو نعيد رسمها بوعي، ونتعلم لغة جديدة للعلاقة، أكثر نضجًا، وأقرب إلى السلام.
فالعلاقات الوالدية تشكل أنماط التعلق لدى الأبناء، وهي الأنماط التي تظهر بوضوح داخل الزواج. التعلق الآمن يرتبط بقدرة أعلى على الثقة والتواصل، بينما يرتبط التعلق القلق أو التجنبي بصراعات متكررة، وخوف من الفقد، أو هروب من القرب العاطفي. الوعي بهذه الأنماط لا يغير الماضي، لكنه يمنح فرصة حقيقية لبناء علاقة أكثر استقرارًا عبر الفصل بين التجربة القديمة والواقع الحالي، وتحمل المسؤولية العاطفية بدل إسقاطها على الشريك.