في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتداخل فيه التهديدات، لم يعد الأمن الوطني محصورًا في حدود الجيوش والسلاح، بل بات مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بـ قوة المعرفة، ورصانة القرار، ووضوح الرؤية. فكل قرار استراتيجي لا يستند إلى العلم والمعرفة، هو خطوة في المجهول.
اليوم، تعيش الدول لحظة وعي جديدة: لا أمن بلا علم، ولا استقرار بلا وعي، ولا سيادة بلا تفوق معرفي.
البحث العلمي... البوصلة الخفية لصانع القرار:
القرارات الكبرى في أي دولة لا تُصاغ في الفراغ، بل تُبنى على قراءة دقيقة للواقع، واستشراف مدروس للمستقبل. وهنا يظهر دور البحث العلمي بوصفه أداة وطنية، لا مجرد نشاط أكاديمي.
من خلال مراكز الأبحاث والدراسات، يستطيع القادة والمسؤولون أن:
• يفهموا تحولات المجتمع وسلوك الأفراد.
• يضعوا سياسات طويلة الأمد بناءً على بيانات وتحليل علمي.
• يتنبؤوا بالأزمات قبل وقوعها.
• يصيغوا ردودًا استراتيجية على التحديات الأمنية، سواء كانت تقليدية أو سيبرانية أو بيئية.
إنه لمن الخطأ أن تُتخذ قرارات مصيرية دون الرجوع إلى الأرقام، أو تُدار الملفات الكبرى دون استشارة أهل العلم والخبرة.
الجامعات ومراكز الفكر: العقل الذي لا ينام والمعين الذي لا ينضب
حين نفكر في أدوات الأمن الوطني، ننسى غالبًا تلك المؤسسات التي تعمل بهدوء داخل جدران المعرفة: الجامعات، ومراكز الفكر، والمراكز البحثية.
هذه المؤسسات لا تُخرّج فقط موظفين، بل تصنع قادة فكر، وتنتج حلولًا، وتغذّي القرار بالمعلومة الدقيقة والتحليل المتزن.
إنها تمثّل ما يمكن تسميته بـ "الأمن المعرفي"، أي حماية الدولة من التجهيل، والتضليل، والانغلاق، والاختراق عبر نشر التفكير النقدي، وتشجيع البحث، ومراقبة التحولات الداخلية والخارجية.
كما أن الأمن المعرفي لا يتعلق فقط بحماية المعلومات، بل يمتد إلى:
• بناء وعي وطني مستنير يحمي المجتمع من التطرف والإشاعات.
• تمكين الباحثين والمفكرين من أداء أدوارهم بحرية ومسؤولية.
• توفير مصادر المعرفة الموثوقة للجميع.
• التصدي لحملات التضليل الرقمي والحروب الإعلامية.
فالمجتمع الذي لا يملك وعيًا حقيقيًا، هو فريسة سهلة لأي تهديد فكري أو معلوماتي.
الخلاصة: العقل هو خط الدفاع الأول:
حين تستثمر الدول في مراكز البحوث والجامعات، وتربطها بدوائر اتخاذ القرار، فإنها تُحصّن نفسها من الداخل، وتُصبح أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
وحين يكون العلم مرجع القرار، والمعرفة حاضرة في كل مؤسسة، يصبح الوطن أكثر أمنًا، وأكثر استعدادًا لغدٍ معقّد لا ينجو فيه إلا من يملك أدوات الفهم.
فليكن العقل سلاحنا، والمعرفة درعنا، والبحث طريقنا نحو وطن لا تهزّه العواصف.
د. منال إمام تكتب: المعرفة والأمن الوطني.. حين تبني العقول تصان الأوطان