أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، عقب عملية عسكرية وصفت بأنها شديدة التعقيد، استعادة رفات آخر أسير إسرائيلي من قطاع غزة، في خطوة سعى المستوى العسكري والسياسي في تل أبيب إلى تسويقها باعتبارها إنجازًا استثنائيًا يطوي ملفًا امتد لسنوات.
غير أن تفكيك تفاصيل العملية، كما كشفتها متابعات ميدانية وإعلامية، يسلط الضوء على تناقضات عميقة تتجاوز الإعلان الرسمي، وتفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بجدوى الخيار العسكري، ودور الاعتبارات السياسية في إدارة هذا الملف، مقارنة بما حققه مسار التفاوض سابقًا.
عملية واسعة مقابل نتيجة محدودة
بحسب معطيات ميدانية، نفذت القوات الإسرائيلية عملية عسكرية استمرت يومين في منطقة شرقي مدينة غزة، شملت أعمال تجريف واسعة ونبش عشرات، وربما مئات، القبور في إحدى المقابر، في محاولة للوصول إلى رفات الجندي الإسرائيلي. ورافقت العملية تغطية نارية كثيفة وتحركات عسكرية كبيرة لتأمين انسحاب القوات بعد انتهاء المهمة.
وتم نقل جثامين فلسطينية جرى انتشالها خلال العملية إلى داخل إسرائيل لإخضاعها للفحص، في مشهد أثار انتقادات واسعة، خصوصًا في ظل استمرار وجود آلاف الشهداء الفلسطينيين تحت أنقاض المنازل المدمرة منذ أشهر، دون أي تحرك دولي جدي للتعامل مع مصيرهم.
توظيف سياسي وتأخير متعمد
في موازاة المشهد العسكري، كشفت تقارير عبرية أن قرار تنفيذ العملية لم يكن مرتبطًا فقط بالمعطيات الاستخباراتية، إذ كانت معلومات عن موقع الرفات متوفرة منذ فترة. وأشارت التقديرات إلى أن المستوى السياسي، بقيادة بنيامين نتنياهو، أرجأ إعطاء الضوء الأخضر للعملية ضمن حسابات سياسية داخلية معقدة.
ويرى مراقبون أن هذا التأخير ارتبط بمحاولات كسب الوقت وتعطيل استحقاقات سياسية وإنسانية أوسع، من بينها ملفات ترتبط بالمعابر والتهدئة، خشية انعكاس أي تنازلات على تماسك الائتلاف الحكومي، لا سيما في ظل ضغط الأحزاب اليمينية المتطرفة.
الأرقام تكشف محدودية الخيار العسكري
ورغم تأكيد نتنياهو أن ما جرى هو ثمرة لـ"الضغط العسكري"، فإن الأرقام المتداولة داخل إسرائيل تقدم صورة مغايرة. فقد نجحت صفقات التبادل والمساعي التفاوضية، خلال سنوات، في إعادة أكثر من مئة أسير إسرائيلي أحياء، بينما لم تنجح العمليات العسكرية المباشرة سوى في تحرير عدد محدود جدًا.
كما تشير المعطيات إلى أن العمل العسكري نفسه أدى، في أكثر من حالة، إلى مقتل أسرى إسرائيليين داخل غزة، سواء بفعل القصف أو خلال عمليات ميدانية، ما يعزز الانتقادات الموجهة لسياسة الاعتماد على القوة بدل المسارات التفاوضية.
محاولة لإغلاق ملف طويل
سعى نتنياهو، في خطاب داخلي، إلى تصوير استعادة الرفات على أنها نهاية لملف الأسرى الممتد منذ عام 2014، مؤكدًا أنه لم يعد هناك أي أسير أو جثمان إسرائيلي لدى المقاومة. إلا أن مصادر متابعة للملف تشير إلى أن هذا الإغلاق كان ممكنًا منذ فترة عبر التفاهمات غير المباشرة، لولا تعطيل الاحتلال المتكرر لبنود التهدئة وتجاوزه المستمر للاتفاقات.
وفي المقابل، أكدت حركة حماس أن ما جرى يعكس التزامها بتفاهمات وقف إطلاق النار ومسار التبادل، مشيرة إلى أن الملف أغلق بالكامل بعد العثور على رفات الأسير الأخير، وأن أي تأخير سابق كان نتيجة مباشرة لسياسات الاحتلال، وليس لغياب القنوات أو الخيارات.