قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

من أثر عابر إلى جذر دائم.. كيف تعيد مرسى علم تعريف العلاقة بين السائح والمكان؟

عاطف عثمان، الخبير السياحي ومدير عام أحد فنادق مرسى علم
عاطف عثمان، الخبير السياحي ومدير عام أحد فنادق مرسى علم

في نقطة بعيدة عن صخب المنتجعات التقليدية، وعلى تخوم البحر الأحمر حيث تتجاور المياه المفتوحة مع صمت الصحراء، تتشكل تجربة سياحية لا تقوم على الاستهلاك السريع ولا على الذاكرة المؤقتة. مرسى علم، التي اعتادت أن تُقدَّم كوجهة طبيعية بكر، تشهد اليوم اختبارًا عمليًا لفكرة أعمق: ماذا لو لم يكن السائح مجرد ضيف، بل صاحب أثر باقٍ؟

في قلب هذه الفكرة تقف مبادرة غير مألوفة في منطقها، بسيطة في أدواتها، لكنها غنية بدلالاتها. فبدل المكافآت التقليدية التي تُمنح للزائر المتكرر، يُعرض عليه بعد الزيارة السادسة أن يزرع شجرة باسمه داخل نطاق الفندق الذي يقيم فيه. الشجرة لا تُزرع كديكور عابر، بل تُسجَّل وتُتابَع، وتصبح جزءًا من المشهد البيئي الدائم للمكان.

إعادة تعريف “العودة”

المبادرة، بحسب متابعتها ميدانيًا، لا تستهدف جذب الزيارة التالية بقدر ما تسعى إلى تغيير معنى العودة نفسها. السائح هنا لا يعود فقط للاستجمام، بل ليطمئن على شيء تركه خلفه. شجرة تنمو ببطء، تتأثر بالمناخ والرعاية، وتختزن زمنًا لا يُقاس بعدد الليالي الفندقية.

عاطف عثمان، الخبير السياحي ومدير عام أحد فنادق مرسى علم وصاحب الفكرة، يطرح رؤية مختلفة لمفهوم النجاح السياحي. في حديثه، يلفت إلى أن المقاصد لم تعد تتنافس فقط على نسب الإشغال، بل على قدرتها على خلق علاقة نفسية طويلة الأمد مع الزائر. “حين يسأل السائح عن شجرته بعد عام، أو يلتقط صورة إلى جوارها بعد زيارات متكررة، فهو لم يعد زائرًا بالمعنى التقليدي”، يقول عثمان، معتبرًا أن هذا النوع من الارتباط هو الاستثمار الحقيقي.

بين البيئة والتسويق غير المباشر

من زاوية تحليلية، تضرب المبادرة أكثر من مسار في وقت واحد. بيئيًا، تسهم في توسيع المساحات الخضراء داخل نطاق صحراوي شديد الحساسية، ما يدعم التوازن البيئي ويحد من التأثيرات السلبية للتوسع السياحي. نفسيًا، تمنح السائح شعورًا بالانتماء والمشاركة، وهو عنصر بات حاسمًا لدى فئات واسعة من الزائرين، خصوصًا القادمين من أسواق تهتم بالسياحة المسؤولة.

أما تسويقيًا، فالأثر يتجاوز الحملات الدعائية المباشرة. السائح الذي يشعر أن له “نصيبًا” في المكان، يتحول تلقائيًا إلى ناقل للتجربة، يعيد سردها داخل دوائره الاجتماعية، ويمنح مرسى علم صورة مختلفة: ليست مجرد شاطئ أو منتجع، بل مساحة تُبنى معها علاقة شخصية.

نموذج بديل في لحظة فارقة

في وقت تواجه فيه السياحة التقليدية تحديات متزايدة، من ضغوط بيئية إلى تغير أذواق السائحين، تطرح تجربة “شجرة لكل سائح” سؤالًا يتجاوز حدود مرسى علم: هل يمكن لصناعة السياحة أن تنتقل من منطق العبور إلى منطق التبني؟

حتى الآن، لا تقدم المبادرة إجابة نظرية، بل ممارسة ملموسة. أثرها لا يُقاس فورًا، بل يُترك للزمن. شجرة تنمو، وسائح يعود، ومكان لا يظل كما كان قبل الزيارة.

ربما في هذا التراكم البطيء تكمن الفكرة الأكثر جرأة: أن السياحة، إذا أُعيد التفكير فيها، قادرة على أن تترك جذورًا… لا مجرد آثار أقدام على الرمال.