قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

هل أبوي النبي من المشركين وهما فى النار؟..علي جمعة يجيب بالأدلة

هل أبوي النبي من المشركين وهما فى النار؟..علي جمعة يجيب بالأدلة
هل أبوي النبي من المشركين وهما فى النار؟..علي جمعة يجيب بالأدلة

يتساءل الكثير عن أبوي النبي ويقولون هل  أبَوَيِ النبيِّ ﷺ من المشركين، وهما في النار؟ فهل هذا الكلام صحيح؟ وقد أجاب عن هذا السؤال الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.

 وقال علي جمعة: محبةُ النبيِّ ﷺ من أفضل القُرُبات؛ ويكفينا لمعرفة تلك المكانة حديثُ النبيِّ ﷺ الذي يقول فيه: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين» (أخرجه أحمد، والبخاري).

وأضاف عبر صفحته الرسمية على فيس بوك: ولا شكَّ أن الحبَّ يتنافى مع رغبة الإيذاء لمن يحب، ولا شكَّ كذلك أن الحديثَ بسوءٍ عن أبَوَيْه ﷺ يؤذي النبيَّ ﷺ؛ وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 61]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: 57]. 

وأشار إلى أن الله نهانا صراحةً عن أذية رسول الله ﷺ، ومشابهة اليهود ـ لعنهم الله ـ في ذلك؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: 69]. قال القاضي: فنحن لا نقول إلا ما يرضي ربَّنا، ويرضي رسولَنا ﷺ، ولا نتجرأ على مقامه الشريف، ولا نؤذيه ﷺ بالكلام بما لا يرضيه ﷺ.

هل أبوي النبي من المشركين وهما فى النار

وتابع:واعلم أن آباءَ النبيِّ ﷺ وأجدادَه، إن ثبت وقوعُ بعضهم فيما يظهر أنه شركٌ، فإنهم غيرُ مشركين؛ وذلك لأنهم لم يُرسل إليهم رسول. فأهلُ السنة والجماعة قاطبةً يعتقدون أن مَن وقع في شركٍ وبدَّل شرائعَ التوحيد في الفترة ما بين نبيٍّ ونبيٍّ لا يُعذَّب، والأدلة على ذلك كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: 131]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208]، وقوله عز وجل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]. فلا تقوم الحجة على الخلق إلا بإرسال الرسل، وبغير إرسال الرسل فالبشر غيرُ محجوجين برحمة الله وفضله.

ونوه ان هذه الآيات تدل على ما يعتقده أهلُ الحق، أهلُ السنة والجماعة: أن الله برحمته وفضله لا يعذب أحدًا حتى يُرسل إليه نذيرًا. وقد يقول قائل: لعل أبَوَيِ النبيِّ ﷺ أُرسل إليهما نذيرٌ، وهما أشركا بعد بلوغ الحجة؛ فهذا لا يسعفه نقلٌ، بل جاءت النصوص تنفيه وتؤكد عكس ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: 44]، وقال سبحانه: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 46]، وقال عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: 59].

فدلت النصوص السابقة على أن أبَوَيِ النبيِّ ﷺ غيرُ مُعَذَّبَيْن؛ لا لأنهما أبَوَاه ﷺ، بل لأنهما من جملة أهل الفترة التي علمنا من هم، وحكمهم بما استقر عند المسلمين. قال الشاطبي: جرت سنته سبحانه في خلقه: أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل؛ فإذا قامت الحجة عليهم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولكل جزاءٌ مثله (الموافقات). وقال القاسمي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15] ما نصه: «وما صحَّ، وما استقام منا، بل استحال في سنَّتنا المبنية على الحِكَم البالغة، أن نعذِّب قومًا حتى نبعث إليهم رسولًا يهديهم إلى الحق، ويردعهم عن الضلال؛ لإقامة الحجة، وقطعًا للعذر» (محاسن التأويل).

قال ابن تيمية: «إن الكتاب والسنة قد دلَّا على أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إبلاغ الرسالة؛ فمن لم تبلغه جملةً لم يعذِّبه رأسًا، ومن بلغته جملةً دون بعض التفصيل لم يعذِّبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية» (مجموع الفتاوى).

أما ما يدل على نجاة أبَوَيْه بخصوصهما، دون الدليل العام الخاص بأهل الفترة، فهو قول الله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: 219]؛ فعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ قال: أي في أصلاب الآباء: آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبيًّا (تفسير القرطبي، وتفسير الطبري).

وعن واثلة بن الأسقع أن النبيَّ ﷺ قال: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (أخرجه أحمد، ومسلم، واللفظ لأحمد). وعن عمِّه العباس رضي الله عنه أن النبيَّ ﷺ قال: «إن الله خلق الخَلق فجعلني من خيرهم، من خير قرنهم، ثم تخيَّر القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخيَّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم؛ فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا» (أخرجه أحمد، والترمذي). فوصف رسولُ الله ﷺ أصولَه بالطاهرة والطيبة، وهما صفتان منافيتان للكفر والشرك؛ قال تعالى في وصف المشركين: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28].

أما ما يثيره المخالفون بسبب ورود حديثَيْ آحادٍ يُعارِضان ما ذُكر من الآيات القاطعة، وهما حديثان في مسلم؛ الأول: أن رسول الله ﷺ قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» (أخرجه مسلم). والثاني: «أن رجلًا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار. فلما قضى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار» (أخرجه مسلم).

فالردُّ عليهم أولًا: أن الحديث الأول ليس فيه تصريح بأن أمَّه ﷺ في النار، وإنما عدم الإذن في الاستغفار لا يدل على أنها مشركة؛ وإلا ما جاز أن يأذن له ربُّه عز وجل أن يزور قبرها، فلا يجوز زيارة قبور المشركين ولا برُّهم.

والحديث الثاني يمكن حمله على أنه كان يقصد عمَّه؛ فإن أبا طالب مات بعد بعثته، ولم يُعلن إسلامه، والعرب يطلقون الأب على العم، كما في قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: 74]. وأبو إبراهيم هو تارح، أو تارخ، كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره من المفسرين.

أما إذا رفض المخالف ذلك التأويل وأراد الاستمساك بظاهر النص في الحديث الثاني، حيث لم يسعفه ظاهر النص في الحديث الأول، فنقول: نزولًا على كلامكم، وإذا اعتبرنا أن الحديثين دلَّا على أن أبَوَيِ النبيِّ ﷺ غير ناجيين؛ فإن ذلك يجعلنا نردُّ الحديثين لتعارضهما مع الآيات القاطعة الصريحة التي تثبت عكس ذلك مما مر، وهذا هو مذهب الأئمة والعلماء عبر القرون. وقد نص على هذه القاعدة الحافظ الخطيب البغدادي حيث قال: «وإذا روى الثقة المأمون خبرًا متصل الإسناد رُدَّ بأمور: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة؛ فيُعلم أنه لا أصل له أو منسوخ» (الفقيه والمتفقه).

وردَّ المحدثون كالبخاري والمديني حديث: «خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل» (أخرجه مسلم)؛ وقد ردوه لأنه يعارض القرآن، كما ذكر ذلك ابن كثير (تفسير ابن كثير) في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: 54].

وكذلك فعل الإمام النووي رضي الله عنه عندما ردَّ ظاهر حديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت: «فرضت الصلاة ركعتين، ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» (أخرجه البخاري، ومسلم). ورغم أنه متفق عليه، لم يتهاون الإمام النووي في رد ظاهره؛ حيث ذكر: «أن ظاهره أن الركعتين في السفر أصل لا مقصورة، وإنما صلاة الحضر زائدة، وهذا مخالف لنص القرآن وإجماع المسلمين في تسميتها مقصورة، ومتى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعًا وجب ترك ظاهره» (المجموع، للنووي).

فليختر المخالف أيًّا من المسلكين: إما التأويل، وهو الأولى لعدم رد النصوص، وإما رد أخبار الآحاد لمعارضتها للقطعي الصريح من القرآن الكريم، وهو مسلك الأئمة الأعلام. وعلى أيّ حالٍ، فلعله قد ثبت أن أبَوَيِ النبيِّ ﷺ ناجيان، بل جميع آبائه ﷺ.