قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

هبط فكتب اسمه في التاريخ وبعد 5 أيام ابتلعه البحر| القصة الكاملة لأول طيار يهبط على حاملة طائرات

صورة لحادثة وقوع الطائرة وسقوطها بالبحر وقتل دونيغ
صورة لحادثة وقوع الطائرة وسقوطها بالبحر وقتل دونيغ

في صيف مضطرب من سنوات الحرب العالمية الأولى، لم تكن المعارك تُخاض فقط في الخنادق أو فوق أمواج البحار، بل كانت السماء نفسها تتحول إلى ساحة تجارب محفوفة بالمخاطر. هناك، وُلدت فكرة ستغير مستقبل الحروب البحرية إلى الأبد.. حاملة الطائرات. وبين صفحات تلك البدايات الجريئة، سُجل اسم ضابط شاب هو إدوارد هاريس دونيغ كأول من نجح في الهبوط بطائرة على متن حاملة طائرات، قبل أن يدفع حياته ثمناً لهذا الإنجاز.

من السفن التقليدية إلى ميلاد حاملة الطائرات

مع تصاعد وتيرة الحرب العالمية الأولى، أدركت بريطانيا أهمية التفوق الجوي في حسم المعارك. فاتجهت إلى تطوير سفنها الحربية عبر إضافة مدارج لطائرات خفيفة، لتتحول بعض القطع البحرية إلى منصات طيران بدائية.

وفي 19 يوليو 1918، نجحت الطائرات البريطانية المنطلقة من البحر في تنفيذ أول قصف جوي ناجح ضد مخابئ مناطيد “زبلن” الألمانية في توندرن، في خطوة أثبتت أن البحر يمكن أن يصبح قاعدة انطلاق جوية متحركة.

لكن بينما بدا الإقلاع ممكناً، ظل الهبوط معضلة حقيقية. لم تكن المدارج قصيرة فحسب، بل كانت تفتقر أيضاً إلى تقنيات حبال الكبح أو “أسلاك الإيقاف”، المعروفة اليوم بأنها عنصر أساسي في أي حاملة طائرات حديثة. لذا كان معظم الطيارين يفضلون الهبوط في أراضٍ حليفة أو فوق سطح البحر قرب سفن صديقة، بدلاً من المخاطرة بمحاولة العودة إلى الحاملة.

التكوين العسكري لضابط شاب طموح

وُلد إدوارد هاريس دونيغ عام 1892 في جنوب أفريقيا، وتلقى تعليمه العسكري في المدارس البحرية الملكية في أوسبرن ودارتموث، قبل أن يلتحق رسمياً بالبحرية البريطانية. ومع اندلاع الحرب، وقع عليه الاختيار للانضمام إلى الخدمة البحرية الجوية الملكية، حيث تلقى تدريباً مكثفاً على قيادة الطائرات والمناورات الجوية.

لم يكن دونيغ مجرد طيار يؤدي واجبه، بل كان شغوفاً باختبار حدود الممكن. شارك في عدة عمليات جوية ضد القوات الألمانية في بحر الشمال، وأظهر كفاءة عالية جعلته من بين الضباط الذين يُعتمد عليهم في المهمات الصعبة.

حاملة “فوريوس” وتجربة غير مسبوقة

في عام 1917، أنهت بريطانيا أعمال تطوير واحدة من أولى حاملات الطائرات في التاريخ، وهي HMS Furious. كانت السفينة في الأصل مشروع طراد معارك، قبل أن تُجرى عليها تعديلات جذرية لتحويلها إلى منصة لإقلاع الطائرات.

أثبتت التجارب الأولى إمكانية الإقلاع من سطحها، لكن الهبوط ظل لغزاً معقداً. سرعة السفينة، الرياح المعاكسة، وضيق مساحة المدرج، كلها عوامل جعلت أي محاولة هبوط أقرب إلى مقامرة بالحياة.

لحظة تاريخية فوق سكابا فلو

في الثاني من أغسطس عام 1917، قرر دونيغ خوض التحدي. فوق مياه Scapa Flow، اقترب بطائرته من نوع Sopwith Pup من الحاملة التي كانت تبحر بسرعة 26 عقدة، بينما تهب رياح قوية معاكسة.

خفض سرعته تدريجياً، مال بطائرته متجنباً جسر السفينة ومدخنتها، ثم وجّهها نحو المدرج. وفي لحظة حبست أنفاس من كانوا على متن السفينة، أطفأ المحرك وترك الطائرة تنزلق حتى استقرت على السطح.

كانت تلك أول عملية هبوط ناجحة لطائرة على متن حاملة طائرات في التاريخ. لحظة غيرت قواعد الحرب البحرية، وفتحت الباب أمام عصر جديد من القتال البحري الجوي.

إنجاز بثمن الحياة

لم تمضِ سوى خمسة أيام حتى قرر دونيغ إعادة المحاولة. لكن في التجربة الثالثة، فقدت طائرته توازنها فوق المدرج وسقطت في البحر. تشير الروايات إلى أنه فقد وعيه خلال الحادث، فغرق داخل قمرة القيادة قبل أن يتمكن أحد من إنقاذه.

رحل دونيغ عن عمر 25 عاماً فقط، تاركاً وراءه إرثاً عسكرياً يفوق سنوات عمره القليلة.

 

قد تبدو قصة إدوارد هاريس دونيغ مجرد فصل صغير في كتاب الحرب العالمية الأولى، لكنها في الحقيقة لحظة مفصلية في تاريخ الطيران البحري. فبفضل شجاعته وتجربته، بدأت ملامح عقيدة عسكرية جديدة تتشكل، لتصبح حاملات الطائرات لاحقاً سيدة البحار في القرن العشرين.

بين إنجاز تاريخي ومأساة إنسانية، تبقى قصة دونيغ شاهداً على أن التقدم العسكري لم يكن يوماً بلا تضحيات، وأن بعض الأسماء، وإن غابت سريعاً، تظل محفورة في ذاكرة التاريخ.