قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

ســيد الضــبع يكتب: بين قصات الشعر الغريبة والملابس الشاذة.. أين الهوية المصرية؟

سيد الضبع
سيد الضبع

في كل أمة علامات تميزها، وملامح تعبر عن هويتها، وصورة ذهنية تتكون عنها أمام العالم. ولا تقتصر الهوية الوطنية على التاريخ والحضارة واللغة فقط، بل تمتد أيضًا إلى السلوك العام والمظهر الذي يعكس ثقافة المجتمع وقيمه وتقاليده.

وخلال السنوات الأخيرة، ظهرت أنماط وسلوكيات جديدة في الشارع المصري، بعضها جاء نتيجة الانفتاح التكنولوجي الهائل وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وبعضها الآخر نتيجة التقليد الأعمى لمظاهر دخيلة لا تتوافق بالضرورة مع طبيعة المجتمع المصري وثقافته.

ولعل من أبرز هذه الظواهر انتشار بعض قصات الشعر الغريبة وغير المألوفة، إلى جانب أنماط من الملابس التي لا تتناسب أحيانًا مع الذوق العام أو طبيعة الأماكن التي تُرتدى فيها، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا داخل المجتمع حول حدود الحرية الشخصية وعلاقتها بالحفاظ على الهوية الوطنية.

ولا شك أن الحرية الشخصية قيمة مهمة كفلها الدستور والقانون، لكن الحرية في أي مجتمع منظم تقف عند حدود احترام القيم العامة والآداب العامة والهوية الثقافية للمجتمع، فليس كل ما هو منتشر في دول أو ثقافات أخرى يصلح بالضرورة للتطبيق في مجتمع له خصوصيته وتاريخه الممتد لآلاف السنين.

لقد عُرفت الشخصية المصرية عبر تاريخها بالاعتدال والاتزان والرقي في المظهر والسلوك، ولم تكن الأناقة يومًا مرتبطة بالمبالغة أو لفت الأنظار بأي وسيلة، بل كانت مرتبطة بالاحترام والوقار وحسن الاختيار.

والحقيقة أن القضية لا تتعلق بقصة شعر أو قطعة ملابس في حد ذاتها، وإنما تتعلق باتجاه عام يجب التوقف أمامه، فعندما يصبح التقليد هو الدافع الأساسي، وعندما يسعى البعض إلى الشهرة أو التميز من خلال مظهر غير لائق أو سلوك غريب، فإن الأمر يتحول من حرية شخصية إلى ظاهرة تستحق النقاش المجتمعي.

كما أن بعض المظاهر التي نشاهدها اليوم بين فئات من الشباب لا تعبر عن الشخصية المصرية الحقيقية، التي عُرفت بالوسطية والاتزان والاعتزاز بالهوية. ومن المؤسف أن يجد البعض نفسه أقرب إلى تقليد شخصيات مجهولة على منصات التواصل من الاقتداء بالنماذج الناجحة في العلم والثقافة والعمل والإبداع.

ومن هنا تبرز أهمية دور الأسرة أولًا، ثم المدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة ووسائل الإعلام، في ترسيخ مفهوم الهوية الوطنية وغرس قيم الانتماء والاعتزاز بالشخصية المصرية.

ومن المنظور الديني، دعا الإسلام إلى حسن الهيئة والمظهر دون إسراف أو مبالغة، فقال الله تعالى: "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ"، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال". لكن الجمال المقصود هنا هو الجمال المرتبط بالذوق والاحترام والاتزان، وليس السعي إلى لفت الأنظار أو مخالفة الفطرة السليمة أو تقليد كل ما هو غريب.

كما أن الحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق أو رفض التطور، بل يعني التمييز بين التطور الإيجابي الذي يضيف للمجتمع وبين التقليد الذي يطمس شخصيته ويضعف خصوصيته الثقافية.

ولذلك فإن الحديث عن المظهر العام ليس دعوة للتضييق على الناس أو التدخل في خصوصياتهم، وإنما دعوة لإعادة الاعتبار للذوق العام، وتعزيز الانتماء للهوية المصرية التي حافظت على تميزها عبر العصور.

إن مصر لم تكن يومًا قوية بحضارتها فقط، بل كانت قوية أيضًا بشخصية أبنائها وأخلاقهم وسلوكهم ومظهرهم الذي يعكس قيم المجتمع المصري الأصيل.

وفي النهاية، تبقى الهوية الوطنية مسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة، وتمر عبر مؤسسات الدولة، وتنتهي عند كل فرد في المجتمع. فكلما حافظنا على هويتنا وقيمنا وأصالتنا، حافظنا على قوة مصر الناعمة وصورتها الحضارية التي نفتخر بها أمام العالم.

فالمظهر ليس كل شيء، لكنه في كثير من الأحيان أول رسالة يبعثها الإنسان عن نفسه، وأول صورة تعكس ثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه.