أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، أن ما جرى في قصة سيدنا يوسف -عليه السلام- لم يكن في زمن ما قبل الدولة كما يظن البعض، بل كان في دولة كاملة الأركان، لها وزراء ونظام حكم وسجون وتحقيقات، وفيها العزيز والعبد والسيد.
مصر دولة ضاربة في عمق التاريخ
وقال عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على قناة "dmc"، اليوم الثلاثاء، إن مصر دولة ضاربة في عمق التاريخ، لكن أي دولة مهما بلغت قوتها يمكن أن يدخلها “سوس الحضارة”، موضحًا أن هذا السوس هو الظلم، وأن العدل هو الدعامة الوحيدة التي تحفظ الملك، فإذا وُجد الظلم فاعلم أن عمر الأمة يبدأ في التناقص، لأن العدل أساس الملك.
وأوضح أن يوسف عليه السلام حين أُلقي في الجب كان صغير السن، ثم مرت سنوات طويلة تغيرت فيها ملامحه، حتى إذا دخل عليه إخوته لم يتخيلوا مطلقًا أن يكون هو أخاهم الذي ألقوه في البئر، خاصة بعدما أصبح في مقام العزة والتمكين، وقالوا له: «يا أيها العزيز أوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين»، فجاءهم الرد: «هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه».
دقة الملاحظة
وأشار الشيخ خالد الجندي إلى أن من الملامح اللافتة في شخصية إخوة يوسف أن لديهم قصورًا في دقة الملاحظة، مستدلًا على ذلك بأنهم لم يدركوا سر تعلق أبيهم يعقوب بيوسف وأخيه، واكتفوا برؤية مشاعر مختلفة دون فهم أبعادها، كما أنهم جاؤوا بقميص ملطخ بالدم لكنه سليم بلا قطع، ولو كان الذئب قد افترسه لتمزق القميص، وهو ما التقطه سيدنا يعقوب بدقة ملاحظة فقال: «بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل».
العودة إلى الجب
وأضاف أن هذا القصور في الانتباه تكرر في مواقف عدة، منها أنهم لم يعرفوا يوسف حين رآهم فعرفهم وهم له منكرون، ومنها أنهم لم ينتبهوا لوضع صواع الملك في رحل أخيهم، رغم أن التفتيش بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيهم، كما لم يحاولوا حتى العودة إلى الجب ليتأكدوا مما جرى ليوسف بعد إلقائه، مما يكشف أنهم لم يكونوا متابعين للأحداث بدقة ولا منتبهين لعواقب أفعالهم.
وتوقف الشيخ خالد الجندي عند قوله تعالى: «إذ أنتم جاهلون»، متسائلًا: هل كانوا جاهلين أم حاقدين؟ موضحًا أن الجهل قد يحمل معناه الحقيقي، أي الجهل بعواقب الأمور، والجهل بأن الظلم قصير العمر، وأن الحق سينتصر، وأن الحساب قائم يوم القيامة، لكن المعنى الذي تطمئن إليه النفس أن الجهالة هنا بمعنى الاعتداء، لأن الجهل في اللغة قد يأتي بمعنى الطيش والتعدي لا مجرد عدم العلم.
وشدد على أن هذه المشاهد تكشف سننًا كونية ثابتة، فالدول تبقى بالعدل وتنهار بالظلم، والإنسان قد يظلم بدافع الغيرة أو القصور في الفهم، لكنه يظل محكومًا بعاقبة فعله، مؤكداً أن قصة يوسف ليست مجرد سرد تاريخي، بل عرض متكامل لطبيعة النفس البشرية، ولمآلات العدل والظلم عبر الزمن.

