لم تعد المياه تُختزل في مجاري الأنهار وحدها، كما لم تعد الطاقة مجرد وسيلة للإضاءة أو التشغيل، بل باتت الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، عنصرًا فاعلاً في إعادة تعريف علاقة الإنسان بالمياه، عبر تحويل الضوء إلى قدرة على إنتاج الماء وإدارته في البيئات الشحيحة الموارد.
وفي ظل تصاعد التحديات المرتبطة بندرة المياه وتغير المناخ، تتقدم الطاقة المتجددة لتلعب دورًا غير مباشر في دعم الأمن المائي، من خلال تحلية مياه البحر، وتشغيل منظومات حصاد الأمطار، وتعزيز الزراعة الذكية التي تعتمد على إدارة دقيقة لكل قطرة ماء، بما يعيد تشكيل مفهوم التنمية في المناطق الجافة.
وبهذا المعنى، يتشكل في مصر مسار جديد للتنمية المستدامة، لا يقوم على وفرة الموارد بقدر ما يقوم على كفاءة إدارتها، حيث تصبح الطاقة الشمسية عنصرًا حاسمًا في معادلة الأمن المائي والغذائي معًا.
وتبرز جنوب سيناء في قلب هذا التحول باعتبارها نموذجًا تطبيقيًا فريدًا، تُختبر فيه قدرة الدولة على دمج الطاقة النظيفة مع إدارة المياه لإحياء الأراضي الجافة، وتحويل الطبيعة القاسية إلى مساحة إنتاج وتنمية قابلة للاستمرار، بما يحوّل التحديات البيئية إلى فرص تنموية قابلة للاستدامة والتوسع.
وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة حنان فرج، نائب مدير معهد بحوث الموارد المائية التابع للمركز القومي لبحوث المياه، أن واقع التنمية المستدامة في أودية جنوب سيناء يمثل نموذجًا تطبيقيًا لقدرة الفكر العلمي على تحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية حقيقية، من خلال إعادة صياغة إدارة الموارد المائية الشحيحة، والتعامل مع عدم انتظام سقوط الأمطار، بما يحوّل السيول وموجات الجفاف من مصدر تهديد إلى عنصر داعم للاستقرار التنموي بدلًا من كونه عائقًا أمامه.
وأوضحت أن هذا التوجه يتجسد في مشروع «بناء مجتمعات قادرة على الصمود وزراعة مستدامة من خلال الإدارة المتكاملة للموارد المائية في جنوب سيناء»، الذي ينفذه معهد بحوث الموارد المائية ضمن برنامج PRIMA المدعوم من الاتحاد الأوروبي، وفي إطار أنشطة منصة WEFE4MED الإقليمية، ويستهدف بناء منظومة متكاملة تقوم على حصاد مياه الأمطار، وشحن الخزانات الجوفية، وتوليد الطاقة النظيفة، بما يخدم الإنتاج الزراعي، ويعزز الأمنين الغذائي والمائي، ويدعم استقرار التجمعات البدوية في المناطق الجبلية.
وقالت الدكتورة حنان إن هذا المشروع لا يُنظر إليه باعتباره تدخلًا محدود النطاق أو تجربة بحثية منفصلة، بل يمثل انتقالًا نوعيًا من مستوى النماذج التجريبية المحلية إلى صياغة سياسات وطنية شاملة لإدارة الموارد المائية في البيئات الجافة، مع إعادة تموضع الإنسان في قلب عملية التنمية باعتباره المحور الأساسي للاستدامة.
وأضافت أن المحور الأول من هذه المنظومة يتمثل في تعظيم الاستفادة من الموارد المائية عبر تطوير نظم حصاد مياه الأمطار والسيول، من خلال إنشاء منشآت منخفضة التكلفة وصديقة للبيئة، وفي مقدمتها البحيرات الجبلية، التي لا يقتصر دورها على تخزين المياه فقط، بل تمتد وظيفتها لتشمل إعادة تغذية الخزانات الجوفية الضحلة وتحقيق التوازن المائي داخل الأودية.
كما أشارت إلى أنه يجري العمل على تطوير أنظمة رصد هيدرولوجية ذكية ومترابطة وقابلة للتشغيل البيني، بما يتيح قياس معدلات الاستهلاك والتغذية الجوفية بشكل لحظي، ويؤسس لإدارة مائية قائمة على البيانات الدقيقة، إلى جانب التوسع في إنشاء آبار مراقبة إضافية اعتمادًا على النمذجة الهيدروجيولوجية، بما يضمن استدامة السحب الآمن من الخزانات الجوفية في ظل المتغيرات المناخية.
وأكدت أن هذه الرؤية تستهدف إعداد أدلة إرشادية ومعايير وطنية معتمدة لإنشاء منشآت حصاد مياه الأمطار والسيول منخفضة التكلفة وصديقة للبيئة، بما يسمح بتعميمها في المناطق الجبلية ذات الطبيعة المشابهة، ويسهم في تقليل الاعتماد على محطات التحلية مرتفعة التكلفة، وتحويل مياه السيول من خطر محتمل إلى مورد مائي واقتصادي مستدام.
وفي القطاع الزراعي، أوضحت أن التوجه البحثي يعتمد على دعم الزراعة الذكية مناخيًا من خلال التوسع في استخدام الصوب الزراعية الحديثة، ودراسة التربة وتحليل تأثير التغيرات الحرارية، إلى جانب استنباط محاصيل مقاومة للملوحة والجفاف، بما يرفع كفاءة استخدام المياه ويعزز الإنتاج الزراعي في البيئات الصحراوية القاسية.
وأضافت أن هذا المسار يمتد كذلك إلى التوسع في زراعة النباتات الطبية والعطرية ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة، مع دراسة سلاسل القيمة المضافة لها، بما يدعم الاستثمار الأخضر ويتيح التحول من الاكتفاء الذاتي إلى الإنتاج القابل للتسويق والتصدير وفق أسس اقتصادية مستدامة.
وأشارت إلى أن دمج الطاقة المتجددة داخل هذه المنظومة يمثل أحد الأعمدة الرئيسية، من خلال تشغيل مضخات المياه بالطاقة الشمسية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بما يسهم في خفض الانبعاثات الكربونية وتعزيز الاستدامة التشغيلية للمشروعات الزراعية والمائية في المناطق الجافة.
ولفتت إلى أن البعد البيئي يتضمن رصد التغيرات في التنوع البيولوجي والغطاء النباتي الطبيعي، بما في ذلك النباتات الطبية البرية، الناتجة عن تحسن مستويات الرطوبة حول منشآت حصاد المياه، مع تطوير أدوات تقييم مبسطة تعتمد على بيانات محدودة لكنها فعالة، تجمع بين التحليل الهيدرولوجي وتقييم الهشاشة البيئية والاجتماعية.
واختتمت بأن البعد المجتمعي يمثل الركيزة الأهم في نجاح هذه المنظومة، من خلال إشراك المجتمعات البدوية في إدارة الموارد، وتأهيل الكوادر المحلية، وتحويل الأهالي من مجرد مستفيدين إلى شركاء حقيقيين في التنمية وصناعة القرار، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويضمن استدامة الموارد في جنوب سيناء.
رؤية جديدة للطاقة والمياه في جنوب سيناء
وتكشف هذه الرؤية المتكاملة التي طرحتها الدكتورة حنان فرج عن أن إدارة الموارد المائية في البيئات الجافة لم تعد مسألة هندسية أو بيئية فقط، بل أصبحت منظومة أوسع تتقاطع فيها المياه مع الطاقة والغذاء، وتُعاد صياغتها داخل إطار تنموي شامل يقوم على التكامل بين الموارد الطبيعية والتكنولوجيا الحديثة.
وفي هذا السياق الانتقالي، تبرز أهمية قراءة أبعاد جنوب سيناء من منظور أوسع لا يقتصر على الجانب المائي أو البيئي فحسب، بل يمتد إلى إعادة تعريف نمط التنمية ذاته وفق خصوصية المكان، وهو ما يؤكده المهندس حاتم الرومي، رئيس لجنة الطاقة بجمعية مجلس علماء مصر، والنائب الأول لشعبة الطاقة المستدامة، وخبير مشروعات الطاقة الكبرى، في رؤيته حول مستقبل إدارة الموارد في جنوب سيناء.
وفي هذا الإطار، يشير المهندس حاتم الرومي، إلى أن إدارة المياه في جنوب سيناء تتطلب رؤية استراتيجية خاصة تأخذ في الحسبان طبيعة جغرافية المكان وتختلف عن شمال سيناء؛ فالطبيعة الجغرافية لجنوب سيناء يغلب عليها الطابع الجبلي الوعر بعكس السهول المستوية الواسعة في الشمال، وهو ما يجعل مستقبل الزراعة الكثيفة والموسعة متميزاً للغاية في الشمال الذي ينتج حالياً أفضل أنواع الزيتون عالمياً ونباتات أخرى، في حين تفرض طبيعة الجنوب التركيز على المساحات المستوية القليلة والمحدودة جغرافياً وتحقيق نمط من الاكتفاء الذاتي المحلي، لإنتاج الخضراوات والفاكهة بدلاً من نقلها وتكبد تكاليف شحن باهظة ترفع من كاهل الإنفاق، بالإضافة إلى استغلال الميزة التنافسية الفريدة لجبل سانت كاترين الذي يضم أكثر من عشرة نباتات طبية وعطرية نادرة لا تنبت في أي مكان آخر في العالم وتتمتع بجدوى اقتصادية وعائد استثماري مرتفع للغاية.
ويوضح المهندس حاتم الرومي، أن فكرة زراعة المدرجات الجبلية المعمول بها في بعض الدول لا تصلح لجنوب سيناء لكونها منطقة غير مطيرة بالأساس، ولا يمكن للمحاصيل النيلية والتقليدية المستهلكة للمياه أن تتحمل هذه البيئة القاسية، كما لا يمكن هندسياً أو اقتصادياً ضخ المياه الجوفية من الأسفل إلى قمم الجبال، ومن ثم يصبح الحل الأمثل والبديل العملي هو تتبع مجاري مياه الأمطار الساقطة والمنحدرة من أعالي الجبال وتخزينها في بحيرات قريبة من المساحات الزراعية المستوية مع عزل هذه البحيرات تماماً لمنع تسرب المياه وضمان الحفاظ عليها، كبديل استراتيجي لتقنية تحلية مياه البحر التي تتسم بتكلفتها الرأسمالية والتشغيلية المرتفع للغاية.
ويرى الرومي أن الطابع البيئي النقي لجنوب سيناء، وارتفاع نسب الأكسجين وانخفاض مستويات الانبعاثات الكربونية بها يجعلها منطقة سياحية فريدة تؤمها الوفود صيفاً وشتاءً، وهو ما يفتح آفاقاً تنفيدية لتطبيق نموذج مبتكر لترابط الطاقة والمياه والغذاء داخل المنشآت السياحية والفنادق، لاسيما في مدن عالمية كبرى مثل شرم الشيخ، بحيث تتبنى الفنادق والقرى السياحية منظومة ذاتية لإنتاج طاقتها عبر الخلايا الشمسية المعمول بها حالياً، مع دمج تقنيات تحلية مياه البحر شريطة معالجة المياه المالحة الناتجة عن التحلية بشكل آمن وإبعادها عن البحر تماماً لحماية التنوع البيولوجي البحري من التلوث، وتوظيف تلك المياه العذبة المنتجة في تشغيل أحواض زراعية متطورة بتقنية الزراعة المائية لإنتاج أغذية ونباتات عضوية نقية تخدم زوارها وتغذي المنطقة محلياً، مما يقدم تجربة عالمية رائدة تحقق المفهوم الأسمى لترابط المياه والغذاء والطاقة في بقعة من أنقى أجواء العالم.
الطاقة المتجددة وإعادة تشكيل التنمية في جنوب سيناء
وفي سياق أوسع للرؤية التنموية الشاملة لجنوب سيناء، تتكامل أبعاد الطاقة المتجددة مع إدارة الموارد الطبيعية باعتبارها أساسًا لإعادة بناء نموذج التنمية في البيئات الجافة، وهو ما يطرحه الدكتور علاء سرحان، أستاذ اقتصاديات البيئة بجامعة عين شمس وخبير التمويل المناخي والاستدامة، في قراءته لمستقبل التنمية في المحافظة حيث أكد أن جنوب سيناء تمتلك مقومات استثنائية تؤهلها للتحول إلى نموذج متكامل للتنمية المستدامة في المناطق الجافة، غير أن تحقيق هذا التحول يتطلب بناء منظومة أكثر تكاملًا تربط بين إدارة المياه، والطاقة المتجددة، والزراعة المستدامة، والسياحة البيئية، والبحث العلمي.
وأوضح الدكتور علاء سرحان ، أن المحافظة تتمتع بموارد طبيعية وتنموية مهمة، تشمل معدلات مرتفعة من الإشعاع الشمسي تتجاوز 3200 ساعة سنويًا، ورياحًا منتظمة في منطقتي خليج السويس وخليج العقبة، إلى جانب تنوع بيئي فريد يجمع بين الصحارى والجبال والشعاب المرجانية والسواحل، فضلًا عن الموروث الثقافي البدوي وموقعها الاستراتيجي القريب من الأسواق الإقليمية والدولية.
وأضاف أن التحدي الرئيسي لا يرتبط بغياب الموارد، وإنما بالحاجة إلى تكامل أكبر بين البنية الأساسية والطاقة والمياه والنموذج الاقتصادي التنموي، مشيرًا إلى أنه رغم التطور الكبير في شبكات الطرق والمطارات والربط اللوجستي مع الوادي والدلتا عبر الأنفاق الجديدة، فإن الحاجة ما زالت قائمة لتعزيز تكامل البنية التحتية، خاصة في ما يتعلق بالطاقة وإدارة الموارد المائية.
وأشار سرحان إلى أن ملف المياه يمثل أحد المحاور الحاسمة في تنمية جنوب سيناء، بما يتطلب تعزيز كفاءة إدارة المياه الجوفية، وفهم معدلات تجددها، وتوسيع الاعتماد على حلول غير تقليدية تتلاءم مع طبيعة البيئات الجافة.
وأوضح أن جنوب سيناء تمتلك فرصة مهمة لتطوير نموذج متقدم يربط بين الطاقة المتجددة والمياه، عبر التوسع في استخدام محطات التحلية صغيرة ومتوسطة الحجم المعتمدة على الطاقة الشمسية، بما يوفر مصادر مياه مستدامة للزراعة والمجتمعات المحلية، ويخفض الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية مرتفعة التكلفة.
وأضاف أن دمج الطاقة الشمسية مع تحلية المياه يمكن أن يدعم نظم الزراعة الحديثة، خاصة الزراعة المحمية والأنظمة الزراعية المغلقة داخل البيوت المحمية، بما يرفع كفاءة استخدام المياه والطاقة معًا، ويعزز قدرة المناطق الجافة على تحقيق إنتاج زراعي أكثر استدامة.
كما دعا سرحان إلى الاستفادة من الخبرات التاريخية المتجذرة في جنوب سيناء، خاصة نظم حصاد مياه الأمطار والمدرجات الجبلية التقليدية التي استخدمتها المجتمعات البدوية في مناطق مثل وادي فيران، مع تطويرها وربطها بالتقنيات الحديثة والبحث العلمي، بما يسمح ببناء منظومات متكاملة لإدارة المياه تتناسب مع الخصوصية البيئية للمحافظة.
وأكد خبير التمويل المناخي والاستدامة أن مستقبل التنمية في جنوب سيناء لا ينبغي أن يظل معتمدًا بصورة رئيسية على السياحة الساحلية وحدها، مشيرًا إلى أن تداعيات جائحة «كوفيد-19» كشفت أهمية تنويع القاعدة الاقتصادية من خلال التوسع في السياحة البيئية، والزراعة الملائمة للمناطق الجافة، وصناعات الطاقة الجديدة والمتجددة.
وشدد على أهمية بناء نموذج تنموي موحد يدمج الطاقة المتجددة، والزراعة المستدامة، وإدارة المياه، والسياحة البيئية، والمجتمع البدوي، والبحث العلمي في منظومة واحدة قادرة على خلق قيمة مضافة محلية، بما يحول جنوب سيناء من تجمع لمشروعات متفرقة إلى نموذج تنموي متكامل للمناطق الجافة.
(الطاقة الشمسية وإدارة المياه في جنوب سيناء)
وفي رؤية تحليلية شاملة لوكالة أنباء الشرق الأوسط، يقدّم الدكتور يسري خفاجي، عضو مجلس إدارة تمكين أبحاث الأراضي والمياه بالاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، وعضو مجلس المحافظين بالمجلس العربي للمياه، قراءة استراتيجية تعيد وضع ملف التنمية في جنوب سيناء داخل إطاره الوطني الأشمل، مستندًا إلى خبراته الممتدة في إدارة الموارد المائية والبنية التحتية ومشروعات التنمية في البيئات الصحراوية.
على مدار عقود طويلة، استقرت جغرافيا التنمية في مصر على ضفاف وادي النيل والدلتا، حيث ارتبطت قصة الحياة بطمي النهر العظيم، غير أن الواقع الاستراتيجي الراهن في القرن الحادي والعشرين، بما يحمله من تحديات مناخية معقدة ونمو ديموغرافي متسارع، فرض ضرورة حتمية لصياغة مسارات تنموية موازية خارج حدود الوادي التقليدي، وفي قلب هذا التحول تبرز جنوب سيناء كساحة اختبار حقيقية لقدرة الدولة على توظيف التكنولوجيا الحديثة ومصادر الطاقة المتجددة لتحويل البيئات الجافة إلى مجتمعات مستدامة، لا تكتفي بتوفير الاحتياجات الأساسية فقط، بل تعيد إنتاج مفهوم التنمية ذاته على أسس أكثر كفاءة واستدامة.
ويستعرض الدكتور يسري خفاجي ملامح هذه الرؤية من خلال قراءة تفصيلية لطبيعة جنوب سيناء، موضحًا أن المحافظة تتكون إداريًا من 8 مدن رئيسية تنقسم بين خليج السويس وخليج العقبة، إلى جانب مدينة سانت كاترين الواقعة في العمق الجبلي، مشيرًا إلى أن اختلافاتها الطبوغرافية لا يلغي وجود ثلاثة محددات مشتركة تجمعها، تتمثل في ندرة المياه الجوفية العميقة، والوفرة الكبيرة في مصادر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والاعتماد التاريخي على النشاط السياحي والموروث الثقافي المحلي، وهو ما يجعل أي نموذج تنموي مستقبلي مرهونًا بقدرة عالية على الدمج بين هذه العناصر في منظومة واحدة مترابطة.
ويشير إلى أن التربة الصخرية الرملية الممتدة عبر أودية جنوب سيناء تمثل في الوقت ذاته قيدًا بيئيًا ومقوّمًا تنمويًا، حيث أثبتت الدراسات صلاحيتها لزراعة محاصيل عالية القيمة مثل النباتات الطبية والعطرية والتين الشوكي، الذي يمكن أن يشكل قاعدة لصناعات تحويلية متقدمة، غير أن هذا الإمكان يصطدم مباشرة بعائق المياه، ما يجعل الزراعة التقليدية غير ممكنة دون الاعتماد على التحلية أو حصاد الأمطار والسيول، وهو ما يعيد صياغة مفهوم الإنتاج الزراعي من الاعتماد على الوفرة إلى الاعتماد على الكفاءة.
وينتقل في تحليله إلى أن هذا الواقع يفرض تبني حلول تكنولوجية لامركزية تعتمد على وحدات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، مع دمجها بأنظمة ري حديثة، وعلى رأسها الري بالتنقيط، خاصة في ظل ما تتمتع به جنوب سيناء من معدلات سطوع شمسي تتجاوز 3000 ساعة سنويًا، إلى جانب سرعات رياح مستقرة تدعم إنتاج الطاقة النظيفة، وهو ما يتيح تشغيل أنظمة مستقلة خارج الشبكة مع الاعتماد على التخزين في البطاريات لضمان الاستمرارية، وبما يحول الطاقة المتجددة من مجرد مصدر كهرباء إلى أداة لإنتاج المياه والغذاء في الوقت نفسه.
ويضيف أن التوسع في هذا النموذج يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الطاقة والمياه، بحيث تصبح الطاقة الشمسية عنصرًا حاكمًا في تشغيل محطات التحلية الصغيرة وإدارة شبكات الري الذكية، بما يخلق اقتصادًا محليًا منخفض الانبعاثات وأكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، خصوصًا في المناطق التي تعاني من هشاشة بيئية واضحة.
ويؤكد أن امتلاك المحافظة لخط ساحلي ممتد يفتح المجال للتوسع في تحلية مياه البحر، بالتوازي مع استغلال الخزانات الجوفية المحدودة، إلا أن هذا المسار يحتاج إلى إدارة دقيقة لتحدياته التقنية والبيئية.
وفي بعده البيئي والسياحي، يشير إلى أن المحميات الطبيعية في جنوب سيناء، مثل رأس محمد وأبو جالوم ونبق وطابا وسانت كاترين، تمثل رصيدًا بيئيًا عالميًا يمكن توظيفه في دعم السياحة البيئية، بما يضمن التوازن بين التنمية وحماية النظم البيئية.
كما يوضح أن المحافظة تمتلك تنوعًا سياحيًا واسعًا يشمل الغوص والسياحة الصحراوية والدينية والعلاجية والفلكية، وهو ما يفتح المجال لتطوير نموذج سياحي أكثر تنوعًا واستدامة، يربط بين الموارد الطبيعية والأنشطة الاقتصادية المحلية.
ويؤكد أن جنوب سيناء لا تعاني من ندرة الموارد، بل من غياب التكامل بين عناصر التنمية، مشيرًا إلى إمكانية تحولها إلى نموذج متكامل لزراعة محاصيل اقتصادية عالية القيمة تعتمد على التحلية والطاقة الشمسية، بشرط وجود حوكمة فعالة ومنظومة بيانات دقيقة وتمويل مرن يدعم الاستثمار.
ويشير كذلك إلى أن التحديات الرئيسية تتمثل في ارتفاع تكلفة البنية التحتية، والحاجة إلى استثمارات كبيرة في التحلية والطاقة والشبكات الزراعية، إلى جانب تحديات تشغيلية مرتبطة بالظروف المناخية القاسية مثل العواصف الرملية والحرارة وملوحة المياه.
وفي هذا الإطار، يطرح نموذج "الواحة الذكية المستدامة" كتصور شامل يدمج بين التمويل والتكنولوجيا والإدارة، عبر إنشاء صندوق تنمية للواحات الصحراوية، وتطبيق شراكة مرحلية بين الدولة والمستثمرين، مع تبني تقنيات تحلية لامركزية صغيرة الحجم تعتمد على الطاقة الشمسية، ونظم زراعية ذكية قليلة الاستهلاك للمياه.
ويؤكد أن نجاح هذا النموذج يعتمد على اختيار التكنولوجيا المناسبة وليس الأعلى تكلفة، مع الاعتماد على محطات صغيرة يسهل تشغيلها وصيانتها، مع تعزيز دور الرقمنة في إدارة الموارد عبر شبكات استشعار ذكية ومنصات بيانات تدعم اتخاذ القرار الزراعي والمائي بشكل لحظي وأكثر دقة.
ويختتم خفاجى بأن هذا النموذج لا يستهدف فقط تحقيق الاكتفاء المحلي، بل بناء نموذج تنموي قابل للتكرار في البيئات الجافة، يجعل من جنوب سيناء نقطة انطلاق لتحول أوسع في فلسفة إدارة الموارد داخل الدولة المصرية.
الأرقام والتجارب تقود مستقبل الطاقة والمياه
وفي سياق دعم الرؤية التطبيقية للعلاقة بين الطاقة المتجددة والأمنين المائي والغذائي، يطرح محمود كمال، الباحث في شؤون المياه والزراعة، قراءة تعتمد على الأرقام والتجارب العملية لتوضيح أثر التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة حيث يؤكد أن هذا المسار لم يعد خيارًا نظريًا، بل أصبح ضرورة مرتبطة مباشرة بكفاءة إدارة الموارد الطبيعية واستدامة الإنتاج الزراعي في البيئات المختلفة..مشيرا الى أن العالم يشهد تحولًا تاريخيًا متسارعًا نحو الطاقة الجديدة والمتجددة باعتبارها أحد أهم الأدوات لمواجهة تغير المناخ وضمان استدامة الموارد الطبيعية، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاعي المياه والزراعة عالميًا.
وأوضح أن تقارير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة تشير إلى إضافة نحو 692 جيجاواط من قدرات الطاقة المتجددة عالميًا خلال عام 2025، لترتفع القدرة الإجمالية إلى أكثر من 5149 جيجاواط، بما يعكس التوسع الكبير في الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وأشار إلى أن التغيرات المناخية باتت تؤثر بصورة مباشرة على الموارد المائية والإنتاج الزراعي، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التصحر، وهو ما يفرض التوسع في تبني حلول مستدامة تعتمد على التكنولوجيا النظيفة وإدارة أكثر كفاءة للموارد الطبيعية.
وأضاف أن توظيف الطاقة المتجددة في تشغيل محطات تحلية مياه البحر يمثل أحد المسارات المستقبلية الواعدة لدعم الأمن المائي في مصر، لا سيما في المناطق الساحلية والمشروعات الزراعية الجديدة، موضحًا أن تشغيل محطات التحلية بالطاقة الشمسية يسهم في خفض تكاليف التشغيل وتقليل الانبعاثات الكربونية وتعزيز استدامة الموارد.
كما لفت إلى نجاح تجارب تشغيل الطاقة الشمسية في القطاع الزراعي المصري خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مشروعات الاستصلاح الجديدة مثل توشكى وشرق العوينات والفرافرة، حيث أسهمت في تشغيل طلمبات الري والآبار الجوفية وأنظمة الري الحديث، ما أدى إلى تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي وخفض التكاليف التشغيلية ورفع كفاءة استخدام المياه.
وأشار كذلك إلى توجه بعض المشروعات الحديثة نحو تشغيل البيوت المحمية ومحطات التحلية الصغيرة بالطاقة النظيفة، في إطار دعم مفهوم الزراعة الذكية والمستدامة وتعزيز كفاءة الإنتاج الزراعي في البيئات الجافة..منوها بان التوجهات البيئية الحديثة تشير إلى أن دمج الطاقة المتجددة مع أنظمة تحلية المياه يسهم في تقليل الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تشغيل محطات التحلية التقليدية، ويحد من الأثر البيئي المرتبط باستهلاك الوقود الأحفوري وتصريف الرجيع الملحي، بما يدعم حماية النظم البيئية الساحلية والحساسة في جنوب سيناء.
وثمّن محمود كمال الجهود التي تبذلها وزارة الموارد المائية والري في تطوير إدارة المياه والتوسع في تطبيقات الطاقة النظيفة داخل مشروعات الري ومعالجة المياه، معتبرًا أن هذه الجهود تعكس رؤية وطنية تستهدف حماية الموارد المائية ودعم خطط التوسع الزراعي واستصلاح الأراضي.
تحولات التنمية في حياة أهالي جنوب سيناء
وفي امتداد لهذه الرؤية المتكاملة التي تجمع بين الطاقة المتجددة وإدارة الموارد المائية، تتجلى النتائج على أرض الواقع داخل المجتمعات المحلية في جنوب سيناء، حيث تنعكس هذه التحولات على حياة الأهالي بشكل مباشر، لتتحول التنمية من مفاهيم نظرية إلى واقع معيش داخل الأودية والتجمعات البدوية.
لا تُقاس عظمة مشروعات التنمية المتكاملة بالبنية التحتية أو النماذج الهندسية أو المعادلات العلمية فقط، بل تتجسد قيمتها الحقيقية في أثرها على حياة الإنسان، وفي قدرة هذه المشروعات على تغيير تفاصيل الحياة اليومية داخل التجمعات البدوية التي عاشت لعقود طويلة تحت وطأة شح المياه وصعوبة الظروف الطبيعية.
ففي أودية جنوب سيناء، لم يعد الحصول على المياه معاناة يومية كما كان في السابق، حيث كانت السيول تمثل خطرًا جارفًا يهدد البيوت والمزارع، قبل أن تتحول بفعل مشروعات الحصاد وإدارة الموارد إلى مصدر دعم واستقرار للمجتمعات المحلية، ما أسهم في تقليل موجات النزوح وتعزيز فكرة البقاء داخل الأرض.
وفي هذا السياق، يعبّر أحد عواقل بدو وادي فيران عن هذا التحول قائلاً: "السيول في الماضي كانت تأتي كالمارد، تأخذ معها بيوتنا وزرعنا وتتركنا في جفاف. اليوم، وبفضل الله ثم علم المعهد، أصبحت البحيرات الجبلية تحجز هذا المارد وتهدئه ليتحول إلى خير يغذي آبارنا، لأول مرة نشعر أن المياه أصبحت ملكنا، وأن مزارعنا الصغيرة آمنة، وأبناؤنا لم يعودوا بحاجة إلى الرحيل بحثاً عن لقمة العيش؛ لقد زرعنا أرضنا واستقررنا في ديارنا".
ولم يقتصر الأثر على جانب المياه فقط، بل امتد إلى فتح مسارات جديدة للرزق أمام الشباب داخل التجمعات البدوية، خاصة مع إدخال نظم الزراعة الحديثة والصوب الزراعية والنباتات العطرية والطبية، التي وفرت فرص عمل قائمة على التدريب والمعرفة بدلًا من الأنشطة التقليدية المحدودة.
ويقول عواد، أحد الشباب العاملين في منظومة الزراعة بالطور: "لم نكن نتخيل يوماً أن شمس الصحراء الحارقة التي كنا نختبئ منها، ستصبح هي نفسها القوة التي ترفع لنا المياه من باطن الأرض لتخضرّ بها الصوب. تدربنا على أيدي باحثي المعهد، وتعلمنا كيف ندير شبكات الري الحديثة ونحافظ على كل قطرة ماء، هذا المشروع لم يمنحنا فرصة عمل فقط، بل منحنا المعرفة والثقة بأننا قادرون على إدارة مستقبلنا وصناعة غذائنا بأيدينا في قلب أرضنا سيناء".
ومن هذا البعد الإنساني الذي أعاد تشكيل علاقة الإنسان بموارده وبيئته، يمتد المشهد نحو أفق أوسع تقوده الطاقة المتجددة كقوة دافعة لمستقبل التنمية في جنوب سيناء حيث تتضح ملامح جنوب سيناء اليوم كمساحة تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية، لتتحول إلى نموذج حيّ يُعيد تعريف العلاقة بين الطاقة والمياه بوصفها علاقة إنتاج للحياة قبل أن تكون علاقة تشغيل وتقنيات. فحين تُدار أشعة الشمس كأداة لإنتاج المياه، وتتحول الرياح إلى قوة داعمة للاستقرار المائي والزراعي، تصبح الطاقة المتجددة محورًا لإعادة تشكيل مفهوم التنمية ذاته في البيئات الجافة.
وما تكشفه التجربة في جنوب سيناء ليس مجرد حلول تقنية، بل انتقال تدريجي نحو منظومة أكثر تكاملًا، تصبح فيها الطاقة الشمسية والرياح والأنظمة الذكية جزءًا من بنية تنموية قادرة على الاستمرارية والتكيف. وبينما تتوسع هذه النماذج في الظهور، يبرز سؤال المستقبل حول مدى قدرة هذه التقنيات على إعادة رسم خريطة التنمية في مصر، وتحويل المناطق التي كانت تُصنَّف كأطراف جغرافية إلى مراكز إنتاج مستدامة للطاقة والحياة معًا.

