قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. عصام محمد عبد القادر يكتب: الصمت المريب

د. عصام محمد عبد القادر - أستاذ ورئيس قسم المناهج - جامعة الأزهر
د. عصام محمد عبد القادر - أستاذ ورئيس قسم المناهج - جامعة الأزهر

نتفق على أن الصمت يمنحنا مساحة من التفكر والتدبر، ويعطينا فرصة سانحة لصفاء الذهن، والتخلص من آثار الضجيج، ومحاولة لتوقف الرسائل المنهكة للوجدان بكل أنواعها، ومن ثَمَّ يتحقّق التوازن، ويصل الإنسان لمرحلة الاستجمام، وإفراغ ما لديه من طاقة سلبية، بل، يغدو الفرد في سكينة وهدوء؛ لكن هناك من يرى أن الصمت إذا زاد عند الحد المسموح به؛ فإنه يؤدي إلى الانطواء، ويتسبب في إحداث حالة من الصراع الداخلي، الذي يترك آثارًا مؤلمة وموجعة؛ لذا تبدو النفوس في حالة من التكدير وضعف الاستقرار.
عندما يأخذ الصوت قراره بالسكوت لفترات طويلة، وحينما يشرد الذهن في غيابات لا ندرك عمقها؛ فإن توقعات سيناريوهات المستقبل غير مرضية؛ إذ تفتح أبواب سوء الظن؛ ومن ثم تصبح تفسيرات الأفعال المرئية من قبل الآخرين في صَوبِ السلبية؛ فلا مجال لليقين، ولا أمل في محاولة القراءة الناقدة القائمة على الشاهد والدليل، وبناءً على ذلك نتوقع اللغة الحاملة للاستهجان، وتبني طريقة التعسف نتيجة لخبرات مريرة سابقة، وامتلاك أفكار غير ناضجة، أو ما نسميها بالمشوهة؛ لتصبح جميع الأحكام غير عادلة، وصورة الميول في اتجاهها السلبي، وعلى أثر ذلك تزداد المسافات مع المحيطين دون استثناء لأحد.
إذا ما لاحظنا ضعفًا أو انقطاعًا في طرائق التواصل الكلي، ورصدنا بالعين المجردة تغيرًا في السلوك أو في ملامح الانفعال؛ فإنها تغدو مؤشرات تحذرنا من شيء خفي؛ ومن ثم يجب أن نبحث سريعًا عن الأسباب المؤدية لهذا الصمت المريب أو المخيف؛ فمن المحتمل أن يكون الفرد يعاني من صراع داخلي، وتوتر وجداني، يحاول ستره بلغة الجسد؛ نتيجة لحيرةٍ تنتابه، أو لشعور بخطأ فادح ارتكبه، أو تعرض لظلم قاس، أو تردد لإخراج ما يجول في خلده، أو خشية من تبعات ما يتفوه به من حديث ويلفظه من كلمات؛ ومن ثم لا يتقبل الخسارة، أو النقد، أو التعرض لعقاب، أو الوصول مع الآخر لمراحل من الخلاف المزمن.
أعتقد أن الصمت الناتج عن احتقان عاطفي، يجب أن نخشى عواقبه؛ فهناك من يعاني حالة من الحزن، أو الخيبة، أو الغضب، ويصبح غير قادر على التعبير عنه؛ فإن البديل الوحيد لديه يكمن في منهجية الكبت المرتبطة قطعًا بالمشاعر، وهنا لا نجد منه إلا تكرار الرفض والاختفاء وراء أسباب غير منطقية، بل، أحيانًا لا يبدي أي مبررات، وقد يصل به الأمر لتجنب المواجهة، وما نتوقعه دون مواربة أن يقع الإنسان في دائرة الاكتئاب، جراء ما يضمره العقل، ويتجنب أن يعبر عنه اللسان.
أتصور في لحظة ما أن يتحول الصمت المريب إلى عاصفة تضير بالآخرين؛ إذ تتسع الفجوة، ويصبح التباعد في تزايد مستمر، وهنا نتوقع أن تفتر العلاقة المرتبطة بالصداقات، وتتوتر الوشائج بين زملاء العمل، وتتصدع الروابط الأسرية، وتتهشم الألفة والمودة بين الزوجين؛ إنها حالة مخيفة، تؤكد ضعف الثقة وتشير إلى انفجار قد يحدث في وقت ما، أو صورةُ انسحابٍ ناتجةٌ عن قرارٍ غيرِ مدروس؛ ومن ثم لا نستطيع أن نحدد ملامح المسار المرتقب للصامت، وفيما يفكر وينوي.
نود أن نتخلص من الصمت المريب عبر بوابة العناية العاطفية؛ حيث نزيل حالة الاحتقان، ونبدد القلق، ونعزز الثقة، ونقوي سياج المشاعر الإيجابية، ونعمل على تنمية التفكير المنتج، ونستثمر الطاقات، ونحد من مسببات الاضطراب، المؤدية للإحباط أو الاكتئاب، ولا نتجاهل مطالب البدن؛ كي تعمل الأجهزة الداخلية بكفاءة؛ فلا نُصاب بوعكاتٍ صحيّة، تزيد توترنا، وخوفنا، وقلقنا، ونجاهد من أجل أن ننال قسْطٌ من المتعة المستحقّة، التي تجعل الروح مفعمة بالتفاؤل، ومزودة بوقود الأمل، والطموح، والتطلع.
تعالوا بنا نتخلص من الجدران القاسية، المُعيقة لأطر التواصل، مع ترك مساحة من الحرية، والخصوصية الوجوبية، المانحة للثقة في النفس، والمريحة للمكون الوجداني، ودعوتنا هنا أضحت جلية؛ فلا بد من أن نكشف لذواتنا عن الأسباب، ونفتح بوابة التنفيس لمشاعرنا، وننمي مهارات التواصل الجالبة للصحة العاطفية والعقلية، والصحية، والمجتمعية.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.