عقد مجمع البحوث الإسلامية، اليوم الأربعاء، ندوةً في جامعة العاصمة تحت عنوان: (الإعلام المعاصر وتشكيل وعي الشباب)، وذلك في ختام فعاليَّات الأسبوع الدعوي العشرين، الذي تُنظِّمه اللجنة العُليا للدعوة بالمجمع تحت عنوان: (وعي الأمَّة في مواجهة التحديات)، برعايةٍ الإمام الأكبر د. أحمد الطيِّب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف د. محمد الضويني، وكيل الأزهر، ود. محمد الجندي، الأمين العام للمجمع.
ختام الأسبوع الدعوي الـ20 في جامعة العاصمة
وفي كلمته، قال د. محمد ورداني، أستاذ الإعلام في جامعة الأزهر: إنَّ الإعلام في العصر الحديث أصبح أحد أهم العوامل المؤثِّرة في تشكيل الوعي الجمعي للأفراد داخل المجتمع؛ إذ لم يعُد دوره مقتصرًا على نقل الأخبار والمعلومات فحسب؛ بل تجاوز ذلك ليصبح أداة فاعلة في ترتيب أولويات القضايا لدى الجمهور، وتوجيه انتباهه نحو موضوعات بعينها دون غيرها، فطريقة عرض الخبر، واختيار الزوايا التي تطرح من خلالها القضايا، وصياغة الرسائل الإعلامية في قالب معين؛ كل ذلك يُسهِم في بناء تصورات الناس عن الواقع وفهمهم للأحداث من حولهم؛ ومن هنا تظهر خطورة الإعلام وأهميته في الوقت نفسه؛ لأنه قادر على التأثير في الأفكار والاتجاهات والسلوكيات، وصناعة حالة من التفاعل المجتمعي مع القضايا المختلفة، سواء على المستوى المحلِّي أو الإقليمي أو العالمي.
وأضاف الدكتور ورداني أنَّ التحوُّلات الرَّقْميَّة وظهور منصات التواصل الاجتماعي قد أحدثت نقلة كبيرة في طبيعة العمل الإعلامي؛ إذْ لم يعُد الجمهور مجرد متلقٍّ سلبي للرسالة الإعلامية؛ بل أصبح شريكًا في صناعتها ونشرها والتعليق عليها؛ بل قد يسبق أحيانًا المؤسسات الإعلامية التقليدية في تداول الأخبار والمعلومات، ومع هذا التحوُّل تبرز مسئولية الفرد في تحرِّي الدقة والصدق قبل نشر أيَّة معلومة؛ حتى لا يكون سببًا في ترويج الشائعات أو تضليل الرأي العام.
ونوه بأن من أهم وسائل التحقُّقَ من صحة الأخبار الرجوع إلى أكثر من مصدر موثوق، ومقارنة الروايات المختلفة للحدث؛ لأنَّ الإعلام في كثير من الأحيان لا يكون مستقلًّا استقلالًا كاملًا عن الدول أو المؤسسات المؤثِّرة؛ وهو ما قد يؤدِّي إلى عدم عرض الحقائق بصورة كاملة في بعض الحالات؛ نتيجةً لتداخل اعتبارات سياسية أو اقتصادية أو مؤسَّسيَّة تؤثِّر في السياسة الإعلاميَّة وطبيعة ما يُنشر.
من جانبه أوضح الدكتور حسام شاكر، مدرس الإعلام في جامعة الأزهر، أنَّ الإعلام يُعدُّ من أخطر الأدوات وأكثرها تأثيرًا في تشكيل وعي المجتمعات وتوجيه الرأي العام؛ ولذلك حرصت القوى الكبرى في العالم على امتلاك أدوات إعلاميَّة قويَّة ومؤثِّرة؛ إدراكًا منها لدور الإعلام في التأثير في العقول وصناعة التصورات لدى الجماهير، فالإعلام لا يعمل فقط على نقل الأحداث؛ بل يُسهِم في صياغة الروايات وتفسير الوقائع وَفق الأطر التي تخدم مصالح الجهات المسيطرة عليه، ومن هذا المنطلق سعى العديد من القوى السياسية والاقتصادية إلى توظيف الإعلام في توجيه الجمهور وإعادة تشكيل وعيه بما يتوافق مع أهدافها واستراتيجياتها.
وأشار إلى أنَّ الحركة الصِّهْيَونيَّة كانت من أبرز الجهات التي أدركت مبكرًا أهمية الإعلام، فعملت على استخدامه في الترويج لسرديَّتها التاريخيَّة المزعومة، ومحاولة تثبيت هذه الرواية في الوعي العالمي عبر وسائل الإعلام المختلفة، مستفيدةً من التأثير الكبير الذي يمكن أن تمارسه الرسائل الإعلامية المتكررة في المتلقِّين.
وأكَّد الدكتور شاكر أنَّ الإعلام لا يقتصر دوره على إظهار هُويَّة المجتمعات وثقافاتها فحسب؛ بل يُسهِم -كذلك- في صناعتها وإعادة تشكيلها؛ من خلال قدرته على نشر أفكار وقيم وثقافات معيَّنة، أو إضعاف وتشويه ثقافات أخرى؛ ولذلك فإنَّ المعركة الإعلاميَّة في العصر الحديث أصبحت معركة وعي وهُويَّة بقدْر ما هي معركة معلومات، محذِّرًا من خطورة التطوُّرات التكنولوجيَّة الحديثة؛ مثل: تقنيات (التزييف العميق) التي تسمح بإنتاج مواد إعلاميَّة وصور ومقاطع فيديو مزيَّفة يصعب أحيانًا تمييزها عن الحقيقة؛ ممَّا يفرض على الجمهور ضرورة التحلِّي بالوعي النَّقدي، والتحقُّق من صحة المعلومات قبل تداولها، والرجوع إلى المصادر الموثوقة؛ حتى لا يتحوَّل المتلقِّي دون قصد إلى أداة لنشر التضليل أو الشائعات داخل المجتمع.
وقال محمود أبو حبيب، عضو المركز الإعلامي بمشيخة الأزهر والذي أدار الحوار، إن تأثير الرسالة الإعلامية لا يتوقف على مضمونها فقط، بل يرتبط بدرجة كبيرة بالوسيلة التي تنقل من خلالها؛ فلكل وسيلة إعلامية خصائصها التي تؤثر في طريقة تلقي الرسالة وفهمها، فالكلمة المكتوبة في الصحف مثلًا تختلف في أثرها عن الصورة أو الفيديو في وسائل الإعلام المرئية أو منصات التواصل الاجتماعي، حيث تمتلك الصورة والوسائط الرقمية قدرة أكبر على جذب الانتباه وإثارة التفاعل السريع لدى الجمهور، لذلك فإن هذا التأثير ينعكس على الهوية وبخاصة الشباب، كونهم الفئة الأكثر تعرضًا للأنماط الاتصالية المعاصرة، وهذه البيئة الإعلامية الجديدة تسهم في تشكيل التصورات والقيم والأنماط السلوكية، إذ يجد الشباب أنفسهم أمام كم هائل من الرسائل والصور القادمة من بيئات مختلفة، ومن هنا تبرز أهمية توعية الشباب، كي يتمكنوا من التمييز بين ما يتوافق مع قيمهم وهويتهم الثقافية وما قد يتعارض معها، لهذا يسعى الأزهر الشريف لتعزيز هذا الوعي وترسيخ الهوية الأصيلة في ظل التحولات الإعلامية المتسارعة.
وتستمرُّ فعاليَّات الأسبوع الدَّعوي في جامعة العاصمة حتى يوم غد الخميس، بمشاركة نخبةٍ من علماء الأزهر الشريف؛ إذْ تتنوَّع الندوات والمحاضرات الفكريَّة التي تتناول عددًا مِنَ الموضوعات؛ أبرزها: (التحديات الفِكريَّة وحماية التراث مِنَ العبث)، و(أزمة القدوات ومعركة الانتماء والهُويَّة)، و(الدعايات الصِّهْيَونيَّة.. قراءة في المخطَّطات وسُبل المواجهة)، و(الإعلام المعاصر وتشكيل وعي الشباب)، و(مستقبل الأمَّة في ضوء الانتصارات التاريخيَّة).

