قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. محمد بشاري يكتب : حين يتكلم القانون في الملاعب : درس الكاف بين الانضباط الكروي وفوضى الانسحاب

د. محمد بشاري
د. محمد بشاري

لم يكن القرار الذي اتخذته لجنة الانضباط داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم مجرد إجراء إداري عابر في سياق منافسة رياضية محتدمة، بل هو في جوهره تفعيل لنصوص قانونية ولوائح تنظيمية وافقت عليها جميع الاتحادات الوطنية دون استثناء. فاللعبة لم تعد مجرد مهارة فوق العشب الأخضر، بل صارت منظومة قانونية متكاملة تحكمها قواعد واضحة تبدأ من الانضباط السلوكي وتنتهي بحماية صورة المنافسة نفسها.

إن لوائح الكاف — كما هو الحال في أنظمة الاتحاد الدولي لكرة القدم — تنص صراحة على عقوبات في حالات الانسحاب من المباراة أو تعطيلها أو رفض استكمالها، سواء كان ذلك انسحاباً كلياً أو جزئياً. فالمادة المتعلقة بـ«مسؤولية الفرق عن سير المباراة» تؤكد أن أي سلوك يؤدي إلى إفساد التنافس أو الإخلال بسلامة المسابقة يعرّض الفريق لعقوبات رياضية ومالية قد تصل إلى اعتبار النتيجة خاسرة أو الإقصاء أو الغرامات. وهذه ليست سابقة، إذ سبق أن فُعّلت هذه النصوص في حالات متعددة عبر تاريخ الكرة الإفريقية، بل وحتى في مسابقات دولية، حين اختارت بعض الفرق أو المنتخبات الاحتجاج بأساليب ميدانية بدل اللجوء إلى المساطر القانونية.

القرار الأخير يجب قراءته في سياقه القانوني قبل العاطفي. فالغرض منه ليس ترجيح كفة فريق على آخر، ولا الانتقام من دولة أو اتحاد، وإنما إعادة الاعتبار لمنطق القانون داخل الفضاء الكروي الإفريقي. فالرياضة التي تفقد مرجعيتها التنظيمية تتحول سريعاً إلى ساحة فوضى، حيث تُستبدل روح المنافسة بثقافة الضغط والانسحاب والمشاحنات، وهو ما أضرّ بصورة الكرة الإفريقية لعقود طويلة، سواء عبر جدل التحكيم أو شبهات الرشاوى أو مظاهر العربدة في الملاعب.

ولا يجادل منصف في أن وصول الفريقين إلى النهائي كان ثمرة استحقاق رياضي حقيقي. فقد أظهرت البطولة — كما في بطولات سابقة — أن منطق التطور الكروي يفرض نفسه، وأن الفرق التي لم تعد قادرة على مجاراة النسق العالي للمنافسة تجد نفسها خارج الصف الأول. وهذا قانون طبيعي في الرياضة كما في الاقتصاد والسياسة: التقدم لا ينتظر المترددين.

اليوم، يقف الاتحاد الإفريقي أمام لحظة مفصلية: إما أن يُفعّل اللوائح بصرامة ويبعث رسالة واضحة بأن زمن الفوضى قد انتهى، أو أن يترك الباب مفتوحاً لممارسات تسيء إلى سمعة القارة وتكرّس صورة نمطية عن ضعف الحوكمة الرياضية فيها. إن تنفيذ القوانين المتفق عليها هو المدخل الوحيد لبناء كرة إفريقية محترفة قادرة على المنافسة عالمياً، لا مجرد إنتاج بطولات مثيرة للجدل.

ومن المؤسف أن بعض الخطابات التي سبقت البطولة غذّت ما يمكن تسميته بـ«فوبيا التفوق المغربي»، في وقت أثبتت فيه التجربة أن الاستثمار في البنية التحتية والتنظيم والاحترافية يمكن أن يرفع مستوى القارة بأكملها. فتنظيم المغرب لبطولات كبرى، وتألق أنديته قارياً، وإنجاز المنتخب في مونديال 2022، كلها محطات لم تكن نجاحاً وطنياً فقط، بل رافعة معنوية لصورة إفريقيا في كرة القدم العالمية، بل وأسهمت موضوعياً في تعزيز حضور القارة داخل المنظومة الكروية الدولية.

غير أن التنافس الرياضي يجب ألا يتحول إلى توتر بين الشعوب. فالسنغال — كما باقي دول إفريقيا — شريك تاريخي وثقافي للمغرب، وروابط الأخوة بين الشعوب أعمق من لحظات انفعال تُضخّمها منصات التحريض والضجيج الرقمي. الرياضة وُجدت لتقريب المسافات لا لتوسيعها، ولتعليم الأجيال معنى الفوز النظيف والخسارة الكريمة.

إن رسالة هذا القرار، في جوهرها، تتجاوز مباراة أو لقباً. إنها دعوة صريحة لكل الفرق والاتحادات إلى الاحتكام إلى القانون بدل البلطجة الرياضية، وإلى فهم أن مستقبل الكرة الإفريقية لن يُبنى بالشعارات ولا بردود الأفعال، بل بالانضباط المؤسسي واحترام اللوائح. فالقارة التي تريد مكانها بين كبار اللعبة عالمياً مطالبة أولاً بتنظيف بيتها الداخلي، وتكريس ثقافة التنافس الشريف.

والمغرب، كما هو واضح من مساره، ماضٍ بثبات في مشروعه الرياضي والتنظيمي. أما الضجيج العابر فسيبقى مجرد أصوات على الهامش، لأن التاريخ الكروي — كما تاريخ الأمم — لا يكتبه الغاضبون، بل يصنعه الذين يعملون بصمت وإصرار.