قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

اكتشاف قديم وحيرة علمية طويلة.. حل لغز فوهة سيلفربيت

فوهة سيلفربيت
فوهة سيلفربيت

منذ عام 2002، لفتت بنية دائرية غامضة مدفونة على عمق يقارب 700 متر تحت قاع بحر الشمال انتباه العلماء، وهي فوهة سيلفربيت تقع هذه البنية على بعد نحو 129 كيلومترا من سواحل يوركشاير شمال شرق إنجلترا، ويبلغ عرضها نحو 3 كيلومترات، وتحيط بها صدوع حلقية تمتد لمسافة تقارب 20 كيلومترا.

هذه السمات أوحت مبكرا بأن الموقع قد يكون فوهة ناتجة عن اصطدام كوني لكن غياب الدليل الحاسم أبقى الباب مفتوحا أمام تفسيرات جيولوجية بديلة، مثل تحركات رواسب الملح العميقة أو انهيارات قاع البحر المرتبطة بنشاط بركاني قديم.

الجدل يبلغ ذروته ثم ينقلب المشهد

في عام 2009، وخلال اجتماع للجمعية الجيولوجية في لندن، صوتت أغلبية الحضور وكان معظمهم من جيولوجيي البترول ضد فرضية الاصطدام.

لكن بعد أكثر من عقدين، عاد فريق بحثي بقيادة البروفيسور Gareth Collins من Imperial College London لإعادة فحص الموقع، مستفيدين من بيانات زلزالية حديثة عالية الدقة، وعينات صخرية قديمة، ونماذج محاكاة حاسوبية متقدمة.

النتائج، التي نُشرت في مجلة Nature Communications، قلبت الاستنتاجات السابقة رأسا على عقب.

أدلة حاسمة من أعماق البحر

باستخدام تقنيات التصوير الزلزالي ثلاثي الأبعاد، أعاد الباحثون بناء صورة تفصيلية للفوهة لم تكن ممكنة في السابق كشفت البيانات عن سمات مميزة لفوهات الاصطدام:

-ارتفاع مركزي واضح
صدوع دائرية وشعاعية منتظمة
-خندق حلقي محيط
فوهات ثانوية صغيرة حول الحافة

هذه البصمة الهندسية لا يمكن تفسيرها بحركة الملح أو النشاط البركاني.

الحسم جاء من التحليل المجهري لعينات الصخور المستخرجة من بئر نفط حُفر في ثمانينيات القرن الماضي، حيث وُجدت بلورات كوارتز وفلسبار تحمل آثارا مجهرية لا تتشكل إلا تحت ضغوط هائلة ناتجة عن اصطدامات فائقة السرعة.

كيف وقع الاصطدام؟

تشير النماذج الحاسوبية إلى أن كويكبا بعرض يقارب 160 مترا ارتطم بقاع البحر بسرعة بين 15 و20 كيلومترا في الثانية، خلال العصر الإيوسيني الأوسط قبل نحو 43–46 مليون سنة.

وتُظهر أن الكويكب جاء بزاوية منخفضة من جهة الغرب، وهو ما يفسر نمط الصدوع غير المتناظر حول الفوهة.

في غضون 12 ثانية فقط، حفر الاصطدام فوهة مؤقتة بعمق كيلومتر تقريبًا، وقذف عمودا من الصخور ومياه البحر إلى ارتفاع وصل إلى 1.5 كيلومتر.

وبعد دقائق، انهار هذا العمود مولدا موجة تسونامي تجاوز ارتفاعها 100 متر، وأعاد تشكيل قاع البحر بالكامل.

لماذا تُعد “سيلفربيت” كنزا علميا؟

فوهات الاصطدام على الأرض نادرة للغاية، إذ تمحو التعرية وحركة الصفائح التكتونية معظم آثارها بمرور الزمن يوجد اليوم أقل من 250 فوهة مؤكدة على اليابسة، ونحو 33 فقط تحت المحيطات.

وبتأكيد أصلها الاصطدامي، تنضم سيلفربيت إلى فوهات شهيرة مثل Chicxulub crater في المكسيك، المرتبطة بانقراض الديناصورات
Nadir crater قبالة سواحل غرب أفريقيا
لكن ما يميز سيلفربيت هو حالتها الاستثنائية من الحفظ تحت قاع البحر، ما يجعلها واحدة من أوضح وأفضل فوهات الاصطدام البحرية تصويرا على كوكب الأرض.

نافذة لفهم الماضي وتحذير للمستقبل

توفر هذه الفوهة نموذجا نادرا لفهم كيفية حدوث الاصطدامات في البيئات البحرية الضحلة، وكيفية تسييل الصخور، وتكون الفوهات الثانوية، وانبعاث الغازات من الصخور الكربوناتية.

ولا تقتصر أهميتها على حسم جدل علمي استمر عقدين، بل تمتد إلى تحسين فهمنا لتأثير الاصطدامات على الكواكب والأقمار الأخرى، واستشراف ما قد يحدث إذا تكرر حدث مشابه مستقبلا.

بعد سنوات من الشك، حُسم اللغز ما كان يُعتقد أنه مجرد تشوه جيولوجي، تبين أنه شاهد صامت على واحدة من أعنف الضربات الكونية التي شهدها كوكب الأرض.