في ظل تصاعد معدلات الطلاق وما يصاحبها من نزاعات حادة بين الأزواج بعد الانفصال، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في كيفية إدارة هذه المرحلة الحساسة، ليس فقط على المستوى القانوني، بل أيضًا من الزاوية النفسية والاجتماعية. فبين شدّ وجذب بين الأب والأم، يبقى الطفل هو الطرف الأضعف، الذي يدفع ثمن خلافات لم يكن طرفًا فيها من الأساس. من هنا، جاءت مبادرة “بداية جديدة للتأهيل النفسي للمطلقة وأبنائها” كصرخة وعي، ومحاولة جادة لإعادة التوازن إلى أسر تفككت، لكنها لا تزال قادرة على حماية أبنائها.
فكرة المبادرة.. رحلة بدأت منذ سنوات
تقول نجلاء عياد، مؤسسة المبادرة، إنها تعمل على هذا المشروع منذ ما يقرب من 13 عامًا، واضعة نصب عينيها هدفًا واضحًا: تحويل مفهوم ما بعد الطلاق من ساحة صراع وانتقام إلى مساحة احترام متبادل ومسؤولية مشتركة. فالمبادرة لا تنظر إلى الطلاق باعتباره نهاية العلاقة فقط، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب وعيًا مختلفًا في التعامل، خاصة في وجود أطفال.
وتوضح عياد، في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد، أن أحد أبرز المبادئ التي تنادي بها المبادرة هو أن “ما بعد الطلاق يجب أن يُبنى على الاحترام لا الانتقام”، مشيرة إلى أن كثيرًا من الأزمات الحالية بين الأزواج المنفصلين ترجع إلى غياب هذا المفهوم، حيث يتحول الخلاف إلى معركة مفتوحة يدفع ثمنها الأبناء نفسيًا وسلوكيًا.
صراع القوانين والواقع.. بين مطالب الآباء ومخاوف الأمهات
في سياق متصل، تشير عياد إلى الجدل الدائر حول تعديلات قانون الأسرة، خاصة ما يتعلق بالحضانة والاستضافة، حيث يحتل الأب المرتبة الثانية بعد الأم في الحضانة، وهو ما يدفع بعض الآباء للمطالبة بتوسيع حقوقهم، سواء في الحضانة أو الاستضافة.
لكن في المقابل، تؤكد أن هناك تخوفات حقيقية لدى بعض الأمهات، خاصة في ظل وجود حالات — بحسب ما رصدته المبادرة — فقدت فيها الأمهات التواصل مع أبنائهن لسنوات بعد ذهابهم مع الأب. هذا الواقع يجعل فكرة “الاستضافة الإجبارية” مرفوضة لدى شريحة من الأمهات، اللاتي يفضلن أن تتم هذه الأمور بالتراضي، وبما يحقق مصلحة الطفل أولًا.
وتلفت إلى أن الأزمة لا يمكن اختزالها في طرف واحد، فهناك آباء مظلومون بالفعل، كما توجد أمهات يتعنتّ رغم حصولهن على حقوق كاملة. لذلك، ترى أن الحل لا يكمن في الانحياز لطرف على حساب الآخر، بل في إعادة تأهيل الطرفين نفسيًا، لضمان التعامل السليم مع مرحلة ما بعد الطلاق.
التأهيل النفسي.. الحلقة المفقودة
تؤكد عياد أن جوهر الأزمة يكمن في غياب التأهيل النفسي للأزواج بعد الطلاق، وهو ما يجعلهم غير قادرين على إدارة الخلاف بشكل صحي. ومن هنا، تطرح فكرة إلزام الأزواج الذين يدخلون في نزاعات بعد الانفصال بالخضوع لبرامج تأهيل نفسي، على غرار الدورات التي يتم الحديث عنها قبل الزواج.
وتشير إلى أن فكرة الدورات التأهيلية قبل الزواج طُرحت منذ سنوات، لكنها لا تزال اختيارية، رغم أهميتها الكبيرة في إعداد الطرفين للحياة المشتركة. وترى أن تعميم هذا المفهوم بعد الطلاق لا يقل أهمية، بل قد يكون أكثر إلحاحًا، نظرًا لتأثيره المباشر على الأطفال.
الطفل.. الضحية الصامتة
في خضم هذه الصراعات، يبقى الطفل هو الخاسر الأكبر. فبحسب عياد، فإن الأطفال الذين يعيشون تجربة انفصال الوالدين يعانون من فقدان الشعور بالأمان والاستقرار، وهو ما ينعكس على سلوكهم داخل المدرسة وخارجها.
وتحكي عن تجارب رصدتها خلال عملها في مجال التدريس، حيث لاحظت أن بعض الأطفال يشعرون بالخجل أو الخوف من نظرة الآخرين، خاصة إذا تم اكتشاف أن والديهم منفصلان. وفي بعض الحالات، يتعرض هؤلاء الأطفال للتنمر، أو حتى للرفض غير المباشر من بعض المدارس التي تخشى “المشكلات”.
هذا الواقع، كما تؤكد، يمثل ظلمًا مزدوجًا للطفل، الذي يجد نفسه محاصرًا بين صراع والديه من جهة، ونظرة المجتمع من جهة أخرى.
الإعلام والمدارس.. دور لا غنى عنه
وتشدد عياد على أن معالجة هذه القضية لا تقتصر على الأسرة فقط، بل تتطلب تضافر جهود مؤسسات متعددة، في مقدمتها وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية. فالإعلام، بحسب قولها، يلعب دورًا محوريًا في نشر ثقافة “الانفصال الواعي”، وتغيير الصورة النمطية المرتبطة بالطلاق.
كما تدعو إلى تقديم دعم نفسي داخل المدارس للأطفال المتأثرين بالطلاق، من خلال تفعيل دور الأخصائيين الاجتماعيين، وتوفير بيئة آمنة تساعدهم على التعبير عن مشاعرهم دون خوف أو خجل.
نحو مبادرة قومية شاملة
انطلاقًا من كل ما سبق، توجهت عياد بنداء واضح إلى الدولة المصرية لتبني مبادرة قومية تحت عنوان “التأهيل الواعي بعد الطلاق”، تستهدف كل أب وأم يدخلان في صراع بعد الانفصال، وتُنفذ بالتعاون بين الجهات المعنية والمتخصصين في الصحة النفسية والتربية.
وترى أن هذه المبادرة يمكن أن تُحدث فارقًا حقيقيًا في حياة آلاف الأسر، إذا ما تم تطبيقها بشكل فعّال، حيث تتضمن مجموعة من الآليات التي تهدف إلى إعادة التوازن داخل الأسرة بعد الطلاق، وضمان بيئة صحية للأطفال.
وتشمل هذه الرؤية إعداد برامج تأهيل نفسي للأبوين، وتوفير مراكز إرشاد أسري تقدم جلسات دعم نفسي وتربوي، إلى جانب تقديم برامج خاصة للأطفال لمساعدتهم على التكيف مع الواقع الجديد. كما تتضمن تدريب الأبوين على مهارات التربية المشتركة، بما يضمن استمرار دورهما في حياة الأبناء بشكل متوازن.
ولا تغفل المبادرة أهمية التوعية المجتمعية، من خلال حملات إعلامية وخطوط ساخنة للدعم الأسري، إلى جانب إعداد أدلة إرشادية توضح حقوق وواجبات كل طرف بعد الطلاق، وتنظيم ورش عمل لإدارة الخلافات وتقليل حدة النزاع.
استثمار في المستقبل
تؤكد عياد في ختام حديثها أن هذه المبادرة ليست مجرد أفكار نظرية، بل حلول عملية قابلة للتنفيذ، من شأنها أن تقلل من حدة النزاعات الأسرية، وتسهم في بناء جيل أكثر توازنًا نفسيًا، حتى في ظل الانفصال.
وتشدد على أن الأطفال ليسوا طرفًا في الخلاف، بل مسؤولية مشتركة يجب الحفاظ عليها، مشيرة إلى أن الاستثمار في تأهيل الأب والأم بعد الطلاق هو في جوهره استثمار في مستقبل المجتمع بأكمله.
وتوجه رسالة صريحة لكل أب وأم، مفادها أن الخلافات لا يجب أن تكون مبررًا لتدمير نفسية الأبناء، وأن القوة الحقيقية لا تكمن في الانتصار على الطرف الآخر، بل في حماية الأطفال من آثار هذا الصراع.
كما تجدد دعوتها للدولة إلى التدخل بشكل جاد، لوضع آليات تحمي الأبناء من تبعات نزاعات الكبار، مؤكدة أن كل طفل يستحق أن ينشأ في بيئة آمنة ومستقرة، حتى وإن لم تستمر العلاقة بين والديه.