أطب مطعمك من أهم الأمور التى ينبغى على المسلم أن يتحريها ولا يقبل إلا طيبا، فالله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيبا.
وقد يتساءل الكثير هل يمكن للقمة طعام واحدة من حرام أن تحجب دعاءه أو تُفسد خُلقه؟
تحرى الحلال
وقالت وزارة الأوقاف المصرية: إن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - والقرآن الكريم أشارا إلى أن الطعام ليس مجرد وقود للبدن، بل هو مادة تكوين الروح؛ لذلك لذلك فإن المطعم الطيب الحلال هو مفتاح السماء وسر السكينة، بينما الكسب الخبيث والإسراف هما حجاب القلوب ومنبع النزاع، فمن طاب مأكله طابت حياته.
مفاتيح استجابة الدعاء وسكينة النفس
وأوضحت أنَّ تحري "أزكى الطعام" ليس مجرد اختيارٍ غذائي، بل هو عمارةٌ للروح وصفاءٌ للخُلق؛ فالكسب الحلال وجودة المأكل مع الإقلال وعدم الإسراف هي مفاتيح استجابة الدعاء وسكينة النفس، فمن طاب مطعمه، حسُن طبعه وزكت جوارحه، وصار أكله وشربه ذكرًا لله وجمالًا يتقرب به إلى مائدة الرحمن في الدنيا والآخرة.
أثر الطيبات في صفاء النفس واستجابة الدعاء
ونوهت أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - أرشدنا إشارةً وتصريحًا في حديثه إلى أنه ينبغي علينا أن نتخيَّر مطاعمنا، وقد أرجع كثيرٌ من العلماء ما يسري بين الناس من سوء الخلق، وما يترتب عليه من التنازع والخصام إلى سوء المطعم على مستوياته كلها؛ سواء أكان الطعام من حرامٍ وإن كان حلالًا في ذاته، كالرشوة والسرقة، أو كان الطعام محرَّمًا في نفسه؛ مما حرَّمه الله علينا كالخمر والخنزير والميتة، فكل ما يدخل ليكوِّن لحمك ودمك له علاقةٌ بتقواك لله رب العالمين.
وهذا المعنى يقول فيه سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ» [الطبراني (ت ٣٦٠)].
وبينت أن تحرِّي الطعام الطيب يكون بأن يكون مباحًا في نفسه، طيبًا في طعمه، وأن يصل إلى الإنسان من طريقٍ حلال، ومن كسبٍ مشروع.
يقول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «الرَّجُلُ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ثُمَّ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» [صحيح مسلم].
وأضافت: نعم، من طيب الطعام أن يكون من حلال، ولكن حتى الطيبات أمرنا الله - سبحانه وتعالى - أن نأخذ منها أطيبها، وكلما تحرَّى الإنسان -وخاصة المسلم- طيب الطعام، وتلذَّذ به، وتذوَّق طعمه، ولم يكن همُّه ملءَ بطنه، ترقَّى في باب استجابة الدعاء مع الله.
وقال الحسن البصري - رضي الله تعالى عنه: "كانت بليةُ أبيكم آدم أكله، وهي بليتكم إلى يوم القيامة".
ويقول سيدنا النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ» [رواه الترمزي].
تخير القليل من الطعام الطيب
فأنت تتخيَّر القليل ولكنه ذو جودةٍ عالية، وهذه الجودة لا تتأتى بغلاء الأثمان، وإنما تتأتى بأن لا يكون همُّ الإنسان بطنه، ولا أن يملأه كيفما شاء، بل عليه أن يتأنى، وكان رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - إذا مضغ أحسن المضغ، ويقول في أيام التشريق: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [صحيح مسلم]، فجمع بين الأكل والشرب وبين ذكر الله.
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿یَٰبَنِیۤ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِینَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤاۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ * قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِینَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِیۤ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّیِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِیَ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا خَالِصَةࣰ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِۗ﴾ [الأعراف: ٣١-٣٢]، فهي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، ويشترك معهم فيها الكافرون والمشركون والمنافقون على مائدة الرحمن - سبحانه وتعالى - وهي هذا الكون الفسيح العظيم، ولكنها تكون خالصةً لأولئك المؤمنين يوم القيامة.
سوء الخلق
والله - سبحانه وتعالى - يحب الجمال، وقد أرشدنا إلى الطيب من الطعام، وهذا الطيب حين تخلَّينا عنه، وأخذنا نأكل كلَّ شيءٍ في الطرقات من غير تحرٍّ، وإنما لسدِّ الجوعة وملءِ البطن، تنازع الناس، ورأينا سوء الخلق ينتشر فيهم؛ لأن الذي لا يتحرى في مأكله ومشربه يدلُّ حالُه على دناءة همةٍ وقلةِ مبالاة، وماذا تنتظر ممن هذه حاله إلا سوء الخلق، والنزاع، والخصام بين الناس؟
وعندما أفاق أولياء الله الصالحون - أهل الكهف - من غفوتهم التي منَّ الله عليهم بها، قالوا: ﴿فَٱبۡعَثُوۤا۟ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦۤ إِلَى ٱلۡمَدِینَةِ فَلۡیَنظُرۡ أَیُّهَاۤ أَزۡكَىٰ طَعَامࣰا فَلۡیَأۡتِكُم بِرِزۡقࣲ مِّنۡهُ وَلۡیَتَلَطَّفۡ وَلَا یُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٩] قالوا: ﴿أَزۡكَىٰ طَعَامࣰا﴾، ولم يقولوا: فليأتنا بطعام، مع أنهم منذ ثلاثمائة سنةٍ أو يزيد في جوعةٍ لا يعلمها إلا الله، وكان يمكن أن يقال: ليبادر وليأتنا بأي شيء، لكنهم لم يقولوا ذلك، وإنما قالوا: ﴿فَلۡیَنظُرۡ أَیُّهَاۤ أَزۡكَىٰ طَعَامࣰا﴾.
ويقول تعالى: ﴿وَظَلَّلۡنَا عَلَیۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَیۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُوا۟ مِن طَیِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ﴾ [البقرة: ٥٧]، ولم يقل: كلوا الطيبات، بل قال: ﴿مِن طَیِّبَٰتِ﴾، و﴿مِن﴾ للتبعيض؛ يعني: كلوا بعض طيبات ما رزقناكم.
وشددت على أنه ينبغي على الإنسان أن يتحرَّى الجمال في الأكل، والحلال في الأكل، والإقلال في الأكل، فلا يسرف، ولا يملأ بطنه، بل يتخيَّر.



