تشهد أروقة وصالونات القرار الاستراتيجي في العاصمة الأمريكية واشنطن حالة من السيولة السياسية والاضطراب البنيوي غير المسبوق، تعيد إلى الأذهان إرهاصات التحولات الكبرى التي مرت بها الإمبراطوريات عبر التاريخ عندما تصاب بـ "عقدة الغطرسة" وتنفصل حسابات القيادة فيها عن حقائق الجغرافيا والتاريخ. إن الحدث المفصلي المتمثل في موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي –للمرة الأولى– على قرار يقيد صلاحيات الرئيس دونالد ترامب في شن حرب على إيران، لا يمكن قراءته كإجراء تشريعي عابر، بل هو "مؤشر زلزالي" يشي بتصدع الجبهة الداخلية للترامبية، وبداية العد التنازلي لتحول الإدارة الحالية إلى ظاهرة "البطة العرجاء" قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل.
هذه القراءة الجيو-استراتيجية تسعى إلى تفكيك مشهد التجاذب الراهن بين واشنطن وطهران وتل أبيب، واستشراف المآلات المستقبلية لانكفاء القوة الأمريكية في نصف الكرة الشرقي وتراجعها نحو عمقها الاستراتيجي التقليدي.
أولاً: الخلل البنيوي وتصدع "الجدار الترامبي" داخل الكابيتول لأشهر طويلة، مثّل الحزب الجمهوري في غرفتي المؤتمر (النواب والشيوخ) الجدار الحامي والدرع الحصين لتوجهات دونالد ترامب. بيد أن هذا الجدار بدأ يشهد تصدعات داخلية عنيفة مدفوعة بملفات معقدة متشابكة، بدءاً من الضغوط المشتركة لإطلاق وثائق "ملفات إبستين" الشهيرة، وصولاً إلى الانسداد العسكري في الموقف مع إيران.
إن تصويت أربعة شيوخ جمهوريين لصالح مشروع القرار الديمقراطي الذي يقوده السيناتور "تيم كين" يُعد اختراقاً نادراً يعكس تنامي القلق التشريعي من خوض مواجهات عسكرية ممتدة بلا أهداف سياسية واضحة أو استراتيجيات خروج محكمة. ولم يعد المشرّع الجمهوري مدفوعاً بـ "خوفه من القواعد الناخبة" بقدر ما بات يبحث عن طوق نجاة يحميه من تبعات الانزلاق في نزاع إقليمي مدمر استنزف الاقتصاد الأمريكي؛ لاسيما في قطاعي الطاقة والزراعة، ورفع سقف الدين العام إلى مستويات قياسية تلامس 39 تريليون دولار.
هذا التحول الدراماتيكي، وإن كان يواجه عقبة "الفيتو" الرئاسي الذي يتطلب نقضه تصويت ثلثي الأعضاء، فإنه يؤسس لمرحلة جديدة تصبح فيها الإدارة مكبلة داخلياً، ومهددة بفتح تحقيقات نيابية واسعة حول قضايا فساد مالي، وإداري، وتساؤلات تمس البنية التأسيسية لدولة المؤسسات الأمريكية التي كادت أن تتحول تحت وطأة الشعبوية إلى "دولة الزعيم الأوحد".
ثانياً: معضلة "الذنب والرأس".. حسابات نتنياهو واستنزاف الحليف
في العمق من هذه المعمعة، تتبدى المعضلة الكبرى في السياسة الخارجية الأمريكية، وهي العلاقة الجدلية التي وصفها برلمانيون أمريكيون سابقون بـ "الذنب الذي يقود الكلب عوضاً عن الرأس". يتضح جلياً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المدفوع بحسابات بقائه الشخصي والسياسي وهربه من الملاحقات القضائية التي قد تقود خلف القضبان، يسعى بكل قوته إلى جرجرة الإدارة الأمريكية نحو خيار التصعيد العسكري الشامل وضربه البنية التحتية النفطية الإيرانية، مستنداً في ذلك إلى تقديرات استخباراتية وصفتها أوساط واشنطن بالسطحية وغير الواقعية.
وتجلت هذه السطحية في التقارير الاستخباراتية المسربة التي نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز"، والتي كشفت عن رهان واشنطن وتل أبيب في الساعات الأولى للحرب على سيناريو متهالك يهدف إلى اغتيال القيادة العليا في طهران وتنصيب الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد كزعيم بديل، مستنسخين في ذلك "النموذج الفنزويلي" دون إدراك حقيقي لطبيعة البنية العنكبوتية والمؤسسية المعقدة التي تدار بها الجمهورية الإسلامية، حيث تتداخل صلاحيات الحرس الثوري، والباسيج، والجيش، والمخابرات في شبكة صلبة لا تتأثر بالمتغيرات الفردية.
وفشل الخطة عقب إصابة أحمدي نجاد في غارة إسرائيلية استهدفت منزله بطهران بدعوى تحريره من إقامته الجبرية، كشف زيف هذه الحسابات وعمق الفجوة بين الأوهام الاستراتيجية والحقائق على الأرض.
ثالثاً: الصمود الإيراني في مواجهة “البلطجة البراغماتية”
في المقابل، تدير طهران المعركة بنبرة تحدٍّ واضحة تدرك تماماً نقاط الضعف في عقلية ترامب القائمة على منطق "رجل الأعمال" الذي يبحث عن الصفقات السريعة والمربحة. ولم تفلح لغة التهديد أو الوعيد في إحداث حالة من الذعر لدى الجانب الإيراني؛ بل إن التصريحات الرسمية لوزير الخارجية عباس عراقجي، والتي ذكر فيها بتمكن دفاعات بلاده من إسقاط المقاتلة الأمريكية المتطورة "F-35" وتدمير طائرات بمليارات الدولارات، حملت رسائل ردع بالغة الدلالة.
وعلى الصعيد العملي الجيوسياسي، نجحت إيران في فرض معادلة جديدة في مضيق هرمز من خلال تفتيش السفن وتحديد مسارات المرور وفرض رسوم عبور، ما دفع دولاً حليفة لواشنطن ككوريا الجنوبية إلى تجاوز العقوبات والتنسيق المباشر مع طهران لضمان سلامة ناقلاتها. وتكمن العقدة الحالية في ترتيب الالتزامات؛ حيث تصر إيران على إعلان رسمي بإنهاء الحرب ورفع الحصار البحري بالكامل وتجميد الملاحقات قبل تقديم أي تنازلات في الملف النووي، بينما تعجز واشنطن عن القبول بهذا التسلسل الذي تراه انتصاراً صريحاً لطهران.
رابعاً: إرهاصات المستقبل.. الهروب الاستراتيجي نحو نصف الكرة الغربي
أمام هذا الفشل العسكري والاستراتيجي في الشرق الأوسط، يواجه دونالد ترامب خيارين كلاهما مر؛ إما الاستجابة لوساوس نتنياهو والانزلاق في جولة قتال جديدة لن تزيد الموقف الإيراني إلا تشدداً وتمنحه مكاسب إضافية، وإما البحث عن "ميك أب" سياسي يغطي على الإخفاق الإقليمي من خلال البحث عن انتصارات بديلة وقريبة في عمقه الاستراتيجي التقليدي بـ نصف الكرة الغربي.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن بوصلة التصعيد الأمريكية بدأت تتجه بالفعل نحو جبهات أخرى تضمن فيها واشنطن تحقيق نتائج سريعة بأقل كلفة عسكرية، كتحريك الملف الكوبي عبر توجيه اتهامات تاريخية لرموز مثل راؤول كاسترو، ومحاولة إحداث تغييرات سياسية في هافانا أو كراكاس أو كولومبيا، لبيع هذه "الانتصارات الفناء-خلفية" للداخل الأمريكي كإنجازات جيوسياسية كبرى تدعم الحزب الجمهوري دون التأثير على أسعار النفط العالمية أو التسبب في مزيد من التدهور لأسواق السندات الأمريكية. إن الانسحاب الأمريكي التدريجي من التزامات الشرق الأوسط وتقليص القواعد العسكرية، وإن جاء بالاكراه وتحت وطأة الضربات، يمثل تحولاً جوهرياً سيعيد رسم خريطة القوى في المنطقة، ويفرض على دول الإقليم صياغة مقاربات أمنية ذاتية بعيداً عن مظلة الحماية الأمريكية التي ثبت عدم جدواها.
خامساً: الرؤية السننية والقرآنية لحتمية الانكفاء (خاتمة المقال)
إن هذه المشهديّة الجيوسياسية المعقدة ليست إلا تجسيداً أرضياً للسنن الإلهية الصارمة التي لا تحابي أحداً، والتي جعلها الحق سبحانه وتعالى قانوناً ثابتاً يدك عروش المستكبرين عندما يبلغ بغيهم مداه. وحين تتحول القوة المادية إلى أداة لظلم الشعوب ومحاصرتها، فإنها تحمل في أحشائها بذور فنائها ذاتياً، مصداقاً لقوله تعالى في محكم التنزيل: {فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} (فصلت: 15).
إن "العمى الاستراتيجي" الذي أصاب الإدارة الأمريكية في دخولها هذه الحرب على غير هدى وبتوجيه من اليمين الصهيوني المتطرف، هو العاقبة السننية الحتمية لكل مَن يتوهم القدرة على صياغة الأقدار وهندسة النظم وفق مشيئته؛ فالطغيان أعمى، وصاحبه يسير نحو حتفه بقدَمه، بينما تنقلب المكائد والتسريبات والحيل لتصبح وبالاً على أصحابها: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} (فاطر: 43).
إن الإمبراطوريات لا تسقط بغتة، بل تنكفئ وتتآكل من أطرافها ومن داخل بنيتها التشريعية والسياسية أولاً، وما كسر طوق الطاعة في مجلس الشيوخ الأمريكي، وتداعي الأسواق الماليّة، والهروب نحو جبهات فرعية، إلا شواهد ناطقة بأن موازين الأرض تتهيأ لعهد جديد، ينكفئ فيه الباغي ويُوضع المرء في حجمه الحقيقي، لتظل كلمة الله هي العليا، وسنته في خلقه هي النافذة والغالبة.