قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

سيد الضبع يكتب: أخلاق الشارع في زمن التصوير بين النصيحة والفضيحة

سيد الضبع
سيد الضبع

لم تعد مشاهد المشاجرات في الشوارع أو الخلافات اليومية مجرد مواقف عابرة تنتهي بانتهاء أسبابها، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى مادة جاهزة للتصوير والنشر والتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، في مشهد يكشف تغيرًا واضحًا في طبيعة التعامل بين الناس، وتراجعًا ملحوظًا في مساحة الصبر والاحتواء والرحمة داخل المجتمع.

فخلال السنوات الأخيرة، أصبح البعض سريع الغضب، سريع الحكم، وسريع التصوير أيضًا. خلاف بسيط على أولوية مرور، أو كلمة حادة في الشارع، أو مشادة داخل محل أو وسيلة مواصلات، قد يتحول خلال دقائق إلى فيديو منتشر أمام آلاف وربما ملايين الأشخاص، تتداوله الصفحات والحسابات دون مراعاة لخصوصية أو كرامة أو حتى تداعيات ما يحدث.

والأخطر من ذلك، أن بعض الناس لم تعد تسعى إلى إنهاء الأزمة بقدر ما تسعى إلى توثيقها ونشرها، وكأن الهاتف المحمول أصبح حاضرًا قبل الحكمة، وقبل محاولة التهدئة أو الإصلاح.

إن المجتمع المصري عُرف طويلًا بروح “الجدعنة” والاحتواء والتسامح، وكان الناس أكثر قدرة على تجاوز المواقف اليومية مهما بلغت حدتها. أما اليوم، فقد أصبح الاحتقان حاضرًا في تفاصيل كثيرة، وأصبحت الضغوط الحياتية والاقتصادية والنفسية تنعكس بشكل مباشر على سلوكيات البعض في الشارع.

ورغم كل الضغوط، تبقى الأخلاق هي الفارق الحقيقي بين مجتمع متماسك ومجتمع تلتهمه العصبية والانفعال. فالأخلاق لا تظهر وقت الهدوء فقط، بل تظهر في لحظات الغضب، وفي طريقة التعامل مع الخطأ والخلاف والاستفزاز.

ومن المنظور الديني، دعا الإسلام إلى ضبط النفس وحسن التعامل مع الآخرين، فقال الله تعالى:"وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا"
وقال سبحانه:"وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ".
 

وقال النبي ﷺ:"ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"هذه المعاني لم تكن مجرد نصوص تُقرأ، بل كانت منهجًا يُبنى به المجتمع، ويحفظ العلاقات بين الناس، ويمنع تحول الخلافات العابرة إلى أزمات وخصومات ممتدة.

أما عن التصوير والنشر، فالأمر هنا يحتاج إلى قدر كبير من الوعي والتمييز. فهناك مواقف يكون فيها التصوير أمرًا مهمًا ومطلوبًا، خاصة إذا تعلق الأمر بتوثيق جريمة، أو كشف تجاوز خطير، أو حماية حق، أو تقديم دليل يمنع الظلم أو الاعتداء. ففي هذه الحالات، يصبح التوثيق وسيلة لحماية المجتمع والحقوق.

وفي المقابل، يتحول التصوير إلى سلوك سلبي وخطير حين يكون الهدف منه التشهير أو السخرية أو نشر الفضائح أو تحقيق مشاهدات على حساب كرامة الناس. فليس كل خطأ يُنشر، وليس كل لحظة ضعف تستحق أن تتحول إلى مادة للتداول والسخرية.

فقد يخطئ إنسان تحت ضغط أو غضب، ثم يندم بعد دقائق، لكن الفيديو يبقى، والتعليقات تبقى، والأذى النفسي والاجتماعي يبقى أيضًا. وهنا تتحول مواقع التواصل من وسيلة تواصل إلى ساحة قاسية لمحاكمة الناس علنًا دون رحمة.

إن تصوير الناس دون مراعاة لإنسانيتهم أو ظروفهم، ثم نشر المقاطع بهدف التفاعل أو “الترند”، يعكس خللًا أخلاقيًا يحتاج إلى مراجعة حقيقية. لأن الأصل في المجتمعات السوية هو الستر والإصلاح، لا التشهير والتشهير المضاد.

والتسرع في إصدار الأحكام بعد مشاهدة مقطع قصير قد يظلم أشخاصًا لا نعرف كامل الحقيقة عنهم، خاصة أن كثيرًا من المقاطع يتم اجتزاؤها أو نشرها دون سياق واضح.

وفي النهاية يبقى السؤال الأهم
هل نريد مجتمعًا يُصلح أخطائه… أم مجتمعًا يصور أخطاءه فقط؟
إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الهواتف المرفوعة للتصوير، بل مزيدًا من القلوب القادرة على الاحتواء، والعقول التي تدرك أن الرحمة والاحترام وحسن الخلق ليست رفاهية، بل ضرورة لبقاء المجتمع متماسكًا.

فالأخلاق لا تُقاس بما نقوله على مواقع التواصل، بل بكيفية تعاملنا مع الناس في الشارع، وفي لحظات الخلاف، وفي قدرتنا على أن نكون أكثر هدوءًا ورحمة وأكثر إنسانية.