أكد الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولى والمصريين بالخارج أن العلاقات المصرية الأفريقية لم تكن مجرد علاقات جوار جغرافي أو مصالح سياسية عابرة، وإنما شكلت عبر التاريخ رابطة حضارية وإنسانية عميقة، ارتبطت فيها مصر بالقارة الأفريقية بروابط الهوية والنضال والمصير المشترك.
وقال الوزير عبدالعاطى إن مصر كانت جزءاً أصيلًا من حركات التحرر الوطني الأفريقي، بل من أبرز المؤسسين والداعمين لها، حيث استضافت مصر العديد من مكاتب حركات التحرر الوطني الأفريقية وقادتها، وذلك انطلاقاً من التزامها الأخلاقي والسياسي العميق تجاه القارة وشعوبها.
جاء ذلك فى كلمة وزير الخارجية اليوم السبت، خلال احتفال مصر بـ "يوم أفريقيا"، والذي تستضيفه جامعة القاهرة هذا العام .
وأضاف عبد العاطى أن لمصر كان لها من رجال الدولة من حملوا لواء الدفاع عن القضايا الأفريقية بأمانة وإخلاص في مختلف المحافل الدولية، ونذكر منهم الدكتور "محمد فايق"، والمرحوم الدكتور "بطرس بطرس غالي"، السكرتير العام الأسبق للأمم المتحدة .
ورحب عبدالعاطى - في كلمته - بالمشاركين جميعًا في احتفالية يوم أفريقيا، في رحاب جامعة القاهرة، هذا الصرح الأكاديمي العريق الذي طالما كان منصة للتعبير الفكري والعلمي والسياسي والثقافي والأكاديمي في مصر والمنطقة، وجِسرا ممتدا للتواصل الثقافي والإنساني بين مصر وأشقائها في القارة الإفريقية.
وقال إننا نستحضر اليوم، بكل اعتزاز اللحظة التاريخية الفارقة في الخامس والعشرين من مايو عام 1963، حين اجتمع القادة الأفارقة "عبد الناصر" و"نكروما" و"سنجور" و"كاوندا" و"كينياتا" و"سيكو- توريه" وغيرهم لتأسيس منظمة الوحدة الأفريقية، تعبيرًا عن الإرادة المشتركة لشعوب القارة في التحرر والوحدة والتضامن، وترسيخًا لمبادئ التعاون واحترام السيادة وتحقيق التنمية والسلام، حتى انتقلت، فيما بعد إلى الاتحاد الأفريقي الذي يمثل اليوم التجسيد المؤسسي الأهم لتطلعات الشعوب الأفريقية نحو الاستقرار والسلم والتنمية المستدامين.
وأكد وزير الخارجية أنه " وبالرغم مما شهدته البيئة الإقليمية والدولية خلال العقود الأخيرة من تحولات متسارعة فرضت على الدول إعادة صياغة أولوياتها وتحركاتها الخارجية، فقد ظل البُعد والهوية الأفريقية ركيزتين أساسيتين في سياستنا الخارجية، حيث حرصت مصر، وبتوجيهات من السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية في ضوء الأولوية التي يوليها سيادته للقارة الأفريقية، على القيام بالآتي:
1 - بناء شراكات استراتيجية مؤسسية مع الدول الأفريقية الشقيقة تتأسس على التعاون والشراكة وتحقيق المصالح المتبادلة، في كافة المجالات السياسية والبرلمانية والثقافية والاقتصادية والتنموية.
2 - تشجيع انخراط قطاعات الأعمال المصرية في تنفيذ المشروعات ذات الأولوية للدول الأفريقية الشقيقة وفقاً لأجنداتها الوطنية، حرصت مصر على تضمين الزيارات الرسمية وفوداً من ممثلي الشركات في إطار السعي لتوثيق العلاقات الاقتصادية بالتوازي مع العلاقات السياسية.
3 - تطوير آليات العمل الوطنية في أفريقيا من خلال تدشين وكالة ضمان الصادرات والاستثمارات، وآلية دراسة وتمويل المشروعات في أفريقيا، إلى جانب اعتزامنا إطلاق كيان استثماري لتشكيل التحالفات الاستثمارية في أفريقيا.
4 - التوسع في تبادل الخبرات ونقل النماذج المصرية الناجحة في تمويل وتنفيذ المشروعات الضخمة بآليات تمويل مبتكرة، حيث نجح تحالف من الشركات المصرية في إنشاء سد "جوليوس نيريري" في تنزانيا، والذي يُعد من أفضل نماذج التعاون الجنوب جنوب في قارتنا الأفريقية، ومن أكبر المشروعات الكهرومائية في أفريقيا وفقاً لأحدث المعايير الدولية، مما سيكون له آثار بالغة على تحقيق التنمية المستدامة في تنزانيا الشقيقة وسائر دول شرق أفريقيا ".
وقال الوزير عبد العاطى " وقد ساهم ما تقدم ، في تعزيز الروابط القوية بين مصر والدول الأفريقية الشقيقة على كافة المستويات، فضلًا عن زيادة الاستثمارات المصرية في أفريقيا لتتجاوز 12 مليار دولار "، مشيرا إلى أن معدلات التجارة قد زادت بين مصر والدول الأفريقية الشقيقة لتبلغ ما يقارب 10 مليارات دولار سنويا، ولا يزال أمامنا الكثير من العمل المشترك لتحقيق التكامل المرجو بين دولنا الأفريقية، خاصة وأن قارتنا تزخر بكافة الموارد والمقومات اللازمة لإقامة أنجح نماذج التعاون داخلها وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وأوضح أنه وعلى الصعيد متعدد الأطراف، لم تتوان مصر عن دعم المواقف الأفريقية في المنصات الإقليمية والدولية، وخاصة ما يتعلق بإنهاء الظلم التاريخي الواقع على قارتنا فيما يتعلق بالتمثيل في مجلس الأمن، وإصلاح النظام المالي العالمي، وإصلاح ممارسات بنوك التنمية، فضلًا عن حشد الدعم الدولي لأجندة التكامل الاقتصادي، وتطوير البني التحتي، وتعزيز التجارة البينية بين دولنا لا سيما في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
وأشار إلى أنه وفي هذا السياق، تعتزم مصر استضافة اجتماعات المجلس التنفيذي وقمة الاتحاد الأفريقي التنسيقية الثامنة لمنتصف العام خلال شهر يونيو المقبل، وعلى هامشها منتدى الأعمال الأفريقي الأول "العلمين-أفريقيا" بالتعاون مع البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد ووكالة النيباد، وذلك تجسيداً للرؤية المصرية الرامية إلى حشد كل الطاقات العامة والخاصة ودعم التعاون الأفريقي-الأفريقي لتنفيذ أهداف “أجندة 2063 - أفريقيا التي نريدها.”
وشدد على أن التحديات المركبة التي تواجه قارتنا الأفريقية تحتم التعامل معها من خلال مقاربة شاملة تراعي العلاقة الترابطية بين السلم والأمن والتنمية .
وأكد أنه من هذا المنطلق، فإن تولي السيد رئيس الجمهورية ريادة ملف إعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات في الاتحاد الأفريقي واستضافة مصر مركز إعادة الإعمار يمثل تجسيداً لمقاربتنا الهادفة لمعالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية للأزمات، كالفقر، والبطالة، وضعف مؤسسات الدولة، وتحديات التعليم والتنمية، ومكافحة الفكر المتطرف.
وقال إن منتدى أسوان للسلم والأمن المستدامين - والذي ينظمه مركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام - يمثل كذلك أحد أبرز المحافل الأفريقية الهادفة لبحث قضايا السلم والأمن والتنمية في القارة، وإيجاد نتائج عملية للتغلب على التحديات التي تواجهها القارة .
وأضاف أننا نعتزم استضافة النسخة السادسة للمنتدى خلال شهر نوفمبر المقبل.
وأشار وزير الخارجية - في كلمته - إلى أنه وإضافة لما تقدم، دعمت مصر جهود التسوية السياسية للأزمات، وشاركت بفاعلية في عمليات حفظ السلام، كما تحرص على دعم عمل المؤسسات الأفريقية التي تستضيفها مثل وكالة الفضاء الأفريقية، ومركز تميز النيباد المعني بالمرونة المناخية وغيرهم تنفيذاً للأهداف المنوطة بهم وتحقيقاً لأهداف أجندة .2063
وفي هذا السياق، أشاد الوزير عبد العاطى باختيار الاتحاد الإفريقي لموضوع "ضمان استدامة توافر المياه لتحقيق أهداف أجندة "2063 للعام الجاري بما يعكس الادراك المتزايد لأهمية الموارد المائية كأحد المرتكزات الأساسية لصون مقدرات الشعوب الإفريقية وتحقيق التكامل الإقليمي من خلال الإدارة الرشيدة للأنهار العابرة للحدود والحفاظ على السلم والأمن وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ومن ثم، فإن مصر تؤكد على ضرورة تعزيز التعاون وفقاً للقانون الدولي لحوكمة الانهار الأفريقية بما يحقق المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة ويعزز مناخ السلام والتكامل.
وأوضح عبدالعاطي أن أغلى الثروات الأفريقية هي الإنسان، فقارتنا الغالية تزخر بطاقات بشرية شابة تُحتّم علينا تعزيز الاستثمار فيها من خلال التعليم والتدريب وبناء القدرات .. ولذلك تولي مصر اهتمامًا خاصًا، من خلال مؤسساتها الوطنية وبالتعاون مع الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، بتنفيذ برامج بناء القدرات في المجالات ذات الأولوية للقارة الأفريقية مثل الطاقة، والأمن، والاتصالات، والري، والزراعة، والدبلوماسية، والقضاء، حيث نفذت الوكالة أكثر من 700 برنامج تدريبي منذ عام 2014 لصالح الدول الأفريقية الشقيقة.
وأشار كذلك إلى أن الجامعات والمعاهد المصرية تستقبل ما يزيد عن 40 ألف طالب وافد من أبنائنا من الطلاب الأفارقة، منوها بافتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور في برج العرب يوم 9 مايو2026، الذي يؤكد الالتزام المصري ببناء كوادر أفريقية شابة قادرة على قيادة عملية التنمية والتطور في القارة.
وقال وزير الخارجية إن اختيار كلية الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة لموضوع «التنوع الثقافي وقضايا المجتمع في أفريقيا» كعنوان للمؤتمر الذي عقدته افتراضيًا يوم 20 مايو الجاري، يعكس إدراكًا عميقًا لما تزخر به القارة الأفريقية من ثراء حضاري وتعدد ثقافي ولغوي وإنساني يُمثل أحد أهم مصادر قوتها الناعمة.
وأضاف أننا نعتز في هذا السياق، اعتزازاً بالغاً بالدور البارز للأزهر الشريف في نشر قيم الاعتدال والوسطية داخل أفريقيا، كما نعتز بدور الكنيسة المصرية المحوري في دعم الروابط الروحية والإنسانية مع العديد من الدول والشعوب الأفريقية.
وأشار كذلك الى أنه في إطار دعم الروابط الثقافية، فإن مصر تعتز باستضافتها المرتقبة للنسخة الرابعة عشر لدورة الألعاب الأفريقية في 2027، والتي ستمثل محطة هامة على صعيد توطيد الروابط الثقافية بين الشباب الأفارقة.
وحرص وزير الخارجية - في ختام كلمته - على توجيه الشكر والتقدير لضيوف مصر الأعزاء الذين شرفونا اليوم بالحضور، وكذلك للدكتور عبدالعزيز قنصوة وزير التعليم العالي لرعايته الكريمة لهذه الاحتفالية، وللدكتور محمد سامي عبد الصادق رئيس جامعة القاهرة لاستضافة احتفالية اليوم، وكل من ساهم بجهد في تنظيم هذه الفعالية الكبيرة التي تعبر عن انتمائنا وحبنا لقارتنا الأفريقية.
واختتم وزير الخارجية كلمته بعبارة للسيد الرئيس عبدالفتاح السيسي بمناسبة أحد الاحتفالات بيوم أفريقيا حيث ذكر سيادته : "لا يوجد أمامنا سبيل سوى بذل الجهد والتمسك بوحدتنا لتحقيق حلم الآباء المؤسسين، وتطلعات شعوب أفريقيا العظيمة في إيجاد قارة مستقرة ومزدهرة تكفل العيش الكريم لكل أبنائها، وتبث نور الحضارة وثقافة التسامح والمحبة لكل العالم ".
كما استذكر عبدالعاطى في هذا السياق مقولة الزعيم الراحل "كوامي نكروما" في خطابه بمناسبة تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية ونصه:
"يجب أن نتحد الآن أو نهلك.. يجب أن ندرك أن استقلالنا الاقتصادي يكمن في اتحادنا الأفريقي، ويتطلب نفس التركيز على الإنجاز السياسي ".
ودعا عبد العاطى لأن نأخذ من هذه العبارات وغيرها من الكلمات المأثورة لقادتنا نبراساً نهتدي به لتحقيق ما نصبو إليه، وما تستحقه قارتنا العزيزة وشعوبها من استقرار وتنمية ورفاهية.
حضر الاحتفال بيوم أفريقيا محمد مباى، وزير خارجية جمهورية القمر المتحدة، السيد مباي ديون، نائب رئيس الجمعية الوطنية السنغالي، الدكتور عبدالعزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي ولفيف من الوزراء والمحافظين وممثلي البرلمان المصري وبرلمانات الدول الشقيقة والصديقة وسفراء الدول الافريقية المعتمدين بالقاهرة.