قال الدكتور علي جمعة، مفتى الجمهورية الأسبق، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرص على وحدة المسلمين، وأكد أخوتهم، وأرشد إلى أن الصلح بين المتخاصمين من أفضل الأعمال، فقال: «ما عمل ابن آدم شيئًا أفضل من الصلاة، وصلاح ذات البين، وخلق حسن» [شعب الإيمان].
الإصلاح بين المتخاصمين
واشار الى انه صلى الله عليه وسلم باشر ذلك بنفسه، حين تنازع أهل قباء، فندب أصحابه وقال: «اذهبوا بنا نصلح بينهم» [البخاري].
وكذلك كان أصحابه رضوان الله عليهم؛ فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوصي من يوليه ويقول: «ردوا الخصوم حتى يصطلحوا؛ فإن فصل القضاء يُحدث بين القوم الضغائن» [سنن البيهقي].
وكان السلف رحمهم الله حريصين على هذا الخير ساعين فيه؛ يقول الإمام الأوزاعي رحمه الله: «ما من خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة في إصلاح ذات البين». وكان الرجال العظام، والمشايخ، وأصحاب الجاه في السابق من أفراد كل قرية، يندبون أنفسهم لهذا العمل، ويعتبرونه من تمام الشرف والعز.
ولم يقتصر الصلح على المسلمين فيما بينهم، بل شمل أبناء الوطن الواحد ولو كانوا غير مسلمين، اقتداءً بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، حين باع ليهودي تمرًا بثمن معلوم على أن يسلمه له بعد مدة، فاستعجل اليهودي التمر قبل حلول الأجل، وعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يليق، حتى همَّ عمر بن الخطاب بإيذائه، فخاف الرجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج؛ أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التَّبَاعة. اذهب به يا عمر، فاقضه حقه، وزده عشرين صاعًا من تمر مكان ما روعته» [سنن البيهقي].
أهمية السعي لإصلاح ذات البين
وفي هذا الزمان تتأكد أهمية السعي لإصلاح ذات البين، الذي كان وظيفة الأنبياء والعلماء والصالحين، والذي كان عادةً للمشايخ وكبار القوم، وكان هدفًا ومقصدًا لكل صالح مصلح، محب للخير بين الناس، ومريد لجلب المودة والتآلف بين القلوب.
إن الله عز وجل شرع في دينه من الأحكام ما يؤدي إلى تماسك المجتمع، وندب إليها، وسنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيل الضرر عن الفرد والمجتمع، وحث المسلمين على التمسك بوحدة مجتمعهم، وأكد أن الطريق إلى ذلك التماسك بين فئات المجتمع المختلفة هو اتباع السبل التي ندب إليها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أهمها: السعي بالإصلاح بين الناس، مع إخلاص النية، وإيكال الأمر إلى الله تعالى، والتيقن من أن التوفيق بيده.
قال تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].

