ليس بالأمر اليسير أن تكتب عن كتاب صادر عن سيدة ولدت في رحاب القصور، وترعرعت بين أروقة السلطة، وأبوها حاكم ومؤرخ جليل. ذلك أن الافتراضات المسبقة الراسخة في وجدان ثقافتنا العربية لا تكاد تترك لصاحبها مناصاً؛ فإما أن ترمي به في مهاوي التمجيد المجاني، وإما أن تدفعه دفعاً نحو البحث المتعصب عن مأخذ أو عيب. فالقارئ العربي، في كثير من الأحوال، يقتحم النص مثقلاً بخلفياته وتوقعاته؛ فهو إما يترقب سيرة ذاتية مملوءة بالثناء والتفخيم، وإما يتحين فرصة فضيحة أو اعتراف. غير أن الحقيقة، كما ينبئنا بها النقد الجاد، تقبع في منطقة رمادية أشد تعقيداً وأبعد غوراً مما قد تتصوره الظنون العجلى. وهذا بالتحديد ما يدفعني إلى الوقوف ملياً أمام كتاب صاحبة السمو الشيخة بدور القاسمي "أخبروهم أنها هنا... بحثاً عن ملكة مليحة". فلست هنا بصدد مراجعة تقليدية تكرس جهدها للثناء أو الذم، ولن أقع في شرك الإطراء الأجوف، إنما سأقف موقف المتأمل المبصر الذي يقلب بين يديه عملاً أدبياً لا يشبه ما مر به من قراءات سابقة.
أول ما يلفت الانتباه بحق هو الطريقة التي يتحدى بها هذا العمل كل فرضية مسبقة حول ما قد يكتبه المنتمون إلى بيوت الحكم. فالفرضيات التي تغذيها وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تختلط الحقائق بالمصنعات اختلاطاً عارماً، سرعان ما تنهار وتتلاشى بمجرد أن يخوض القارئ غمار الصفحات الأولى.
وقد جال بخاطري، وأنا أعرف شغف الشيخة بدور العميق بالعلم والمعرفة والآداب، وأعرفها بصفتها ابنة بيت كرس ذاته للفكر والثقافة – بيت يقوده صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، حاكم الشارقة، المثقف المتجذر في البحث والتاريخ والمسرح والكتابة بقدر تجذره في الحكم والإدارة – تساؤلات عديدة حول فحوى كتاب تنهض به امرأة بهذا المستوى من التميز والوعي. ولكن، منذ الصفحات الأولى، تسرب إلى نفسي إحساس بأنني أمام شيء مختلف تمام الاختلاف. إنه لون مغاير من الكتابة، كتابة تغوص في أعماق النفس البشرية حتى وهي تفتش في طبقات تاريخ وطنها، وتعيد اكتشاف الأماكن والآثار والقصص والأساطير. وكل هذا يتصل، بخيط رفيع متين، بفهم صوفي للحياة ورحلة الإنسان وعلاقة المرء بخالقه ومصيره وذاته. إنه كتاب يعمل العقل بقدر ما يشبع الروح، ويمزج بين صلابة البحث ونعومة التأمل.
لن أسهب في التعريف بصاحبة السمو أكثر مما يقتضيه المقام؛ فسيرة عائلة تحكم الشارقة، بقيادة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، معروفة بتفرغها للعلم ونصاعتها الثقافية. لكن ما يقدمه هذا الكتاب يختلف كل الاختلاف عن كل ما قد ينتظر. إنه ليس سيرة ذاتية بالمفهوم التقليدي، ولا هو بحث تاريخي أكاديمي جاف، ولا حتى هو أدب رحلات يكتفي بوصف الطرق والمنازل. إنه شيء أقرب إلى التأمل الصوفي العميق، ممتزجاً بجروح الذاكرة الشخصية، وملفوفاً بغبار مملكة طواها النسيان تحت كثبان الرمال.
ولعل أكثر ما أثار دهشتي وانبهاري هو تلك الجرأة الفائقة على المزج بين الخاص والعام، بين الذاتي والموضوعي. تكتب الشيخة بدور القاسمي عن "ملكة مليحة" الضائعة في غياهب التاريخ، ولكنها في حقيقة الأمر تكتب عن جذوة روحها هي. تبحث عن حجر صامت كي تجد نفسها. وهنا، باختصار شديد، يكمن جوهر الكتابة الأدبية العظيمة؛ أن تجعل من المكان مرآة صافية للداخل الإنساني.
المفارقة هنا مركزية ومدهشة؛ أن تكتب عن فضاء خارجي موحش كي تكتشف تضاريس ذاتك الدفينة، أن تبحث عن أطلال حجرية بائدة لتقف على روافد روحك الممتدة. وهذه الجرأة في الصهر بين الروحي والمادي، وبين التاريخ الشخصي والتاريخ الجمعي، هي ما يضفي على هذا العمل فرادته واستثنائيته.
لكن، دعني أقف بالقارئ هنا وقفة ضرورية عند نقطة شديدة الحساسية. إن البعد الصوفي الذي أتحدث عنه ليس ترفاً بلاغياً أو زخرفاً لفظياً. وأنا أستخدم مصطلح "صوفي" بكل دقته المعرفية؛ فالصوفية في جوهرها نظرية في المعرفة تقوم على أن الحقيقة لا تدرك بالحواس الظاهرة وحدها، بل تدرك كذلك بالذوق والكشف والمجاهدة الروحية.
وعندما تصف الشيخة بدور القاسمي كيف تسمع أنين الريح في أطلال مليحة، أو كيف تبصر في الحجر ما لا يبصره الجيولوجي المدقق، وتسمع في الصمت ما لا تسمعه أذن المؤرخ الفاحص، فهي تمارس – في صميم الكتابة – هذا اللون من المعرفة الذوقية الكشفية. وهذا، في التحليل الأخير، هو ما يميز الكتابة الأدبية العظيمة عن التوثيق العلمي المحض. وهو أمر نادر الورود في كتاباتنا العربية المعاصرة، التي أغرقتها السرعة والاستهلاك وسطوة الصورة العابرة.
وهنا أجدني مضطراً إلى القول بأن هذا الكتاب ليس – في عمقه – عن مملكة قديمة اندثرت بقدر ما هو سيرة مضمرة للبحث عن الذات عبر متاهات التاريخ. ليست الرحلة إلى مليحة رحلة في المكان فحسب، هي رحلة في الزمن الداخلي للكاتبة، وفي طبقات وعيها الجيولوجية. فكلما توغلت بين أطلال تلك المملكة المندثرة تحت الرمال، كانت تتوغل أكثر في أعماق ذاتها. وهذا هو السر الذي يجعل القارئ يشعر بأنه ليس غريباً عن النص؛ ذلك أن كل واحد منا يبحث، بوعي أو بغير وعي، عن مملكته الضائعة تحت رمال النسيان والانشغالات اليومية المتراكمة.
غير أنني، وأنا أكتب هذه القراءة، أجد لزاماً علي أن أقف وقفة نقدية صريحة لا مواربة فيها. فرغم حماسي لهذا الكتاب، لا ينبغي لي أن أكرر فعل الإعجاب دون أن أضعه في سياقه النقدي الأوسع. فالثناء المحض، إذا لم يشفع بتحليل ومساءلة، يبقى مجرد انطباع شخصي عابر، لا رأياً نقدياً رصيناً. وهنا أعترف بأن حماسي للفكرة الجوهرية للكتاب قد يطغى أحياناً على ضرورة التدقيق في الصياغة وآليات اشتغال النص. فهنالك سؤال جوهري يطرح نفسه بإلحاح ما هي حدود هذه الكتابة الصوفية؟ ألا يمكن أن تتحول، في بعض تجلياتها، إلى نوع من التبرير الجمالي للواقع، بحيث تقرأ أية فجوة أو تناقض على أنها غموض مقدس لا يسأل عن كنهه؟ هذا سؤال بالغ الأهمية؛ فالصوفية الحقيقية، في أعمق تجلياتها، تتطلب درجة قصوى من الصدق مع الذات، وليس مجرد تغليف النص بهالة من القداسة المفتعلة أو التغني بغموض مبهم.
فهل استطاعت الشيخة بدور أن تحافظ على هذا التوازن الدقيق بين العمق الروحي والوضوح الفكري؟ أعتقد أنها قد نجحت في ذلك في معظم أجزاء الكتاب، إلا أن ثمة لحظات شعرت فيها بأن النص يميل أحياناً إلى نوع من التصوف المجاني، حيث يصبح الغموض غاية في حد ذاته، لا وسيلة شفافة للوصول إلى فهم أعمق وأكثر جلاء. كما أن الكتابة عن "مملكة مليحة" تحمل في طياتها مخاطرة أخرى، أن تصبح الرحلة إلى الماضي هروباً من إشكاليات الحاضر وإلحاحاته. وإذا كانت الشيخة بدور القاسمي تبحث عن الروح في الحجر، فهل تبحث أيضاً، بالموازاة، عن إجابات في الحاضر المعيش؟ هذا سؤال يبقى مفتوحاً على مصراعيه، وربما كان حرياً بالكاتبة أن تطرحه على نفسها وعلى القارئ بصورة أكثر صراحة ومكاشفة.
فأنا أتساءل هل البحث الحثيث عن مملكة ضائعة تحت الرمال هو، في التحليل الأخير، نوع من الهروب اللاواعي من حاضر معقد ومثقل بتحدياته؟ لم تجب الشيخة بدور عن هذا السؤال بشكل قاطع، وربما كان الأجدر بالنص أن يفعل. فالتاريخ، عندما يستخدم كملاذ روحي، قد يتحول إلى أفيون فكري يخدر بدلاً من أن يوقظ. وهذا لا يعني أن الرحلة إلى الماضي غير مشروعة إبداعياً، إنما يعني ببساطة أن على الكاتب أن يكون واعياً بهذه المفارقة، وأن يواجه القارئ بها بدلاً من أن يتحاشاها.
كما أنني أجد نفسي أتساءل عن البنية اللغوية والأسلوبية للكتاب هل جاءت اللغة شفافة مكشوفة أم متكلفة متصنعة؟ هل السرد متماسك منساب أم متقطع متخلخل؟ هذه أسئلة نقدية لا مفر من طرحها. وبعد قراءة متأنية، أستطيع القول إن لغة الشيخة بدور تميل في أحيان إلى الشعرية المكثفة، وفي أحيان أخرى إلى البساطة المباشرة. وهذا التنوع الأسلوبي قد يكون نقطة قوة وجاذبية، لكنه قد يكون أيضاً سبباً في شعور القارئ بنوع من التشتت أو التفاوت في المستوى.
فهنالك فقرات كتبت باقتدار شعري عالي ولغة مشحونة بالصور المدهشة، وفقرات أخرى بدت أقرب إلى اليوميات الشخصية أو التدوين الحر. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل هذا التناوب بين المستويات الأسلوبية مقصود لخدمة المعنى ورسم خريطة نفسية متحركة، أم أنه نتاج عدم اتساق كامل في الرؤية الكتابية؟ أعتقد أن القارئ المنصف سيختلف في إجابته عن هذا السؤال، وسيرى فيه بعضهم مرونة مقصودة ويراه آخرون تفاوتاً غير مبرر.
وعلى الرغم من هذه التحفظات المشروعة، أبقى مقتنعاً اقتناعاً راسخاً بأن هذا الكتاب يمثل إضافة مهمة ولفتة ثقافية نادرة؛ كتابة عربية تحاول أن تكون صوفية بمعنى الكلمة، لا بمعناها الفضفاض الشائع المستهلك.
الشيخة بدور القاسمي، كما أراها من خلال كتابها هذا، باحثة عن الحقيقة تكتب من موقعها الخاص، ليس رغبة في الشهرة أو البروز، لأنها لا تستطيع إلا أن تكتب. وهذا فارق جوهري وحاسم؛ فالكاتب الحق هو من يكتب لأن بداخله ما يجب أن يقال ولا يستطيع السكوت عنه، لا لأنه يريد أن يعرف ككاتب.
وهذا هو جوهر ما أود أن أخلص إليه إن كتاب "أخبروهم أنها هنا" هو بحث جاد عن طريقة مختلفة للكتابة وللوجود في زمن تسلطت فيه الصورة على الكلمة، وطغت فيه السرعة على التأمل العميق. إنه احتجاج صامت، لكنه بالغ العمق، على ثقافة الاستهلاك التي تجعل من كل شيء سلعة عابرة، حتى الروح البشرية. كل صفحة في هذا الكتاب تقول، بلغة غير مباشرة، إن التأمل أعمق أثراً من الاستهلاك، وإن الروح البشرية ما زالت بحاجة ماسة إلى خرائط غير تلك التي ترسمها وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقاتها السطحية.
الشيخة بدور القاسمي، من وجهة نظري، تقدم إضافة حقيقية للأدب العربي، لأنها شاعرة بالمعنى العميق للكلمة، حتى وإن لم تكتب شعراً موزوناً. إنها تذكرنا بأن الكتابة تنبثق من روح قلقة تبحث عن خلاصها في الحروف والكلمات، تماماً كما تبحث ملكة مليحة عن نفسها تحت طبقات الرمال المتراكمة وغبار النسيان. وهذا التذكير، في زمن اختلطت فيه الأوراق وأصبح السطح هو العمق الوحيد المرئي، يستحق منا كل احترام وتأمل وإشادة.