في مثل هذه الأيام من كل عام تطالعنا ذكرى استشهاد الامام الحسين ابن علي عليهما السلام.
فدائما أبدا ما ترتبط ذكرى عاشوراء باستشهاد سبط الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا الحدث الكبير الذي اهتزت له الدنيا بأسرها،حيث لم يشهد التاريخ مقتل سبط نبي مثلما قتل الإمام الحسين هذه القتله الشنعاء في موقعه كربلاء.
فعاطفة الناس الجياشه وفطرتهم السويه تحن إلى آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الدوام حنين ثكلى.
إن حب الحسين وآل بيته ليس دربا من التشيع كما يظن البعض ويتوهم بل هو منهج السلف الصالح لا السلف المتلون الدخيل على العقيده و الوسطيه بفهمه العقيم لا سيما وأن نداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأمة جمعاء بحب آل بيته هو نداء راسخ لا يقبل الشك أو التأويل حين قال: "أوصيكم الله في أهل بيتي" وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي"
"ومثل آل بيتي فيكم كسفينة نوح من تعلق بها فقد نجا ومن تخلف عنها فقد هلك".
ولقد بين النبي الكريم مكانة الإمام الحسين وشقيقه الامام الحسن حين قال:" الحسن والحسن سيدا شباب أهل الجنه" فهما بهذا البيان النبوي الشريف سادة الصفوه من الناس وهم أهل الجنه الذين هم خلاصة الخلاصه!
وأشار إلى مكانة الحسين مقررا:"حسين مني وأنا من الحسين، أحب الله من أحب حسينا،حسين سبط من الأسباط" .
ولقد كان النبي الكريم يحمله على كتفه وكان يقول لجده رسول الله صلى الله عليه وآله:"هيا يا جملي"ورآه أحد الناس فوق كتف رسول الله محمولا فقال له:نعم الحامل لك يا غلام! ليجيبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ونعم المحمول هو"!
ولقد كان يمطتي ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة لا سيما في السجود فيطيل الرسول السجود كي لا يقطع عليه لعبه فوق ظهره وكتفه!
كان ظهر رسول الله مركبه وحجره مرقده وريقه مشربه ...
مكانة عظيمة للسبط الشهيد منحها له جده النبي الكريم بل ومنحها له الوحي منذ أن نطق القرآن العظيم بهذه التسميه المباركه الفريده:{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} .
عاش الإمام الحسين في معية جده متربيا في حجر النبوه مترعرعا بين مناقب أمه السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين،وبين علم وحكمة وفروسية أبيه الإمام علي أول فدائي في الاسلام وفاتح خيبر مولى المؤمنين،ويعسوب الملة والدين .
وتوالت الأيام ودارت دورتها وارغم الناس على البيعة ليزيد بن معاوية كخليفة للمسلمين!
ومن هنا كانت اللحظات الحاسمه،وكانت المواقف التي لا تقبل المزايده،أمثل الإمام الحسين مكانة وإكبارا وورعا وشموخا يبايع مثل يزيد الطاغية الشهير باللهو والمجون واللعب بالكلاب والقرود؟!
كلا وألف كلا ..فما كان للإمام أن يفعلها وكيف يفعل مثل ذلك وهو أمل الأمة وسبيل نجاتها وخلاصها ويقظتها حتى ولو كان الثمن حياته!
لقد أعلن الإمام رأيه واضحا صريحا فلم يداهن ولم يخش الموت حتى قال لأحد المخوفين له من القتل، أمثلي يخاف من الموت؟!
هم الرجال فسل عنهم مصادمهم
ماذا رأى منهم في كل مصطدم؟
سار الامام في طريق الرفض لهذه البيعه فلم يتراجع ولم يحد عن مبدأه قيد أنمله ....
اشتعلت الأوضاع وتأزمت الأمور والوشاة في ظلام الليل يواصلون وشايتهم بالامام لاجباره على البيعه كرها وتنكيلا.
وعلى الصعيد الآخر كانت مئات الرسائل من أهل الكوفه للحسين أن يقدم إليهم .. ونزولا على رغبتهم توجه الإمام بآل بيته فارا بدينه حاملا قضايا أمته على كاهله،عساه يجد لحياته مأمنا ولدين جده المصطفى صلى الله عليه وآله انقاذا مما ألم به من فتن كبيره وخلاصا للناس من الظلم الذي نزل بهم.
تحرك الامام في موكبه المهيب قاطعا الصحارى والقفار في البيداء الجرداء وفي الطريق وعلى مشارف الكوفه قابله الفرزدق الشاعر المعروف فسأله الإمام عن أحوال الناس في الكوفه ليقرر له بكلمته الشهيره:"قلوبهم معك وسيوفهم عليك"!.
وبالفعل تراجع الناس هناك عن موقفهم وضربوا برسائلهم الكثيره عرض الحائط
فكانت موقعة كربلاء(كرب وبلاء) فمنع عن الحسين وآله وصحبه الماء وقتلهم جيش يزيد بن معاويه بقيادة زياد ابن أبيه أبشع قتله وقطعوا رأس الإمام وفصلوها عن جسده واعتلوا بحوافر خيولهم جثمانه الشريف!.
كيف لو سمع سيدنا ومولانا رسول اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله وسلم أَنين سبطه وريحانته الامام الحسين وهو ملقى في صحراء كربلاء محاصرا بلا ماء تتساقط عليه السهام كالمطر؟.
كيف لو رأى ريحانته الامام الحسين وحيدا يرفع طفله الرضيع طالبا له جرعة ماء فيكون الرد سهما في حلق الطفل يودي بحياته فتفور الدماء متفجره من فم الرضيع في يدي أبيه؟
كيف لو رأى حفيدته سيدتنا السيدة زينب تصرخ في العراء بلا سند؟
كيف لو رأى رأس الحسين على رُمح يُرفع وهو الذي كان يقبله بين عينيه؟
أَيُّ قلب كان سيتحمل هذا وأَيُّ عين كانت ستُغمض بعدها للنوم؟
كيف حال سيدنا ومولانا رسول الله لو رأى ريحانته مُضرجًا بدمائه،وحيدًا في أرض كربلاء بلا ناصر ولا معين؟
كيف لو رأى السيف يجز الرأس الذي طالما قبله واحتواه، والخيل تطأ صدره الشَّرِيف؟
سيق ما تبقى من آل البيت وفي مقدمتهم العقيله السيدة زينب عليها السلام مغللين بالحديد في موكب الإباء إلى قصر يزيد بن معاويه وفي مجلسه كانت المواجهه وكانت الخطبة العصماء للعقيله زينب بصرخاتها التي زلزلت عرش يزيد الطاغيه الى الأبد حيث مما قالت له:"
فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جُهدَك يا يزيد ، فوالله
لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك الا فند وأيَّامك الا عدد، وجمعك الا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين".
هذه فاجعة كربلاء قصدت من التعريج عليها أن اضع يد القارئ على حقيقتها ليس لطما وصراخا كما يفعل البعض وانما انصافا للتاريخ وحق الناس أن تعرف تاريخ أمتها ومواقف رجالاتها الكبار كالإمام الحسين ومواقف صغار واقزام الرعاع كيزيد وجنده.
استشهد الامام الحسين وحيدا غريبا تحت طعنات السيوف وضربات الرماح صابرا محتسبا فحيا بعد ذلك في ضمير ووجدان الأمه الى قيام الساعة.
أضرموا النيران في خيام الحسين وآل بيته وكأن الخيام تحدثنا قائلة:"تأملوا رمادي المحترق، أن البيوت والخيام قد تزول ولكن خيمة القيم المحمدية باقية، يستظل بها كل سائر إلى الله جل في علاه .
لقد صعد دخاني إلى السماء كأنه صرخة احتجاج كونيه، وتمنيتُ لو أنني تحولت إلى سحابٍ يمطر ماءً ليطفئ عطش زينب و رقية وسكينه ومن قبلهم الحسين ورفاقه أو يصبح درعاً يحمي القوم من سياط الظالمين .
فحين تدلف إلى مقامه المنيف بقاهرة المعز لدين الله الفاطمي فإنما تقف أمام قائد مغوار أسد مرابط في عرينه تتعلم من شموخه في مرقده الشريف كيف تكون مغلوبا فتنتصر.
فالسلام على الإمام الشهيد والسلام على الأرواح التي حلت بفنائه وأناخت برحابه إلى يوم يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين .