يتجدد الحديث عن "رسالة مصر" و"الشخصية المصرية" وغيرهما من الموضوعات القديمة المتجددة التي تتسرب إلى خطابنا الثقافي والسياسي حتى صارت جزءاً من النقاش العام، نردده في مناسباتنا وخطبنا وكتبنا.
ولكن هذا التكرار قد يحيل المعاني العميقة إلى مجرد كلمات مألوفة، وإزاء ذلك يصبح من واجبنا أن نتوقف بين حين وآخر وقفة تأمل هادئة، لا من باب التمجيد والثناء على الذات بلا حساب، بل من باب الفهم والتحليل والاستشراف، حتي نرى أين نقف وأين نتجه. فالوطن، أي وطن، هو كيان حي نابض، له ماض يلقي بظلاله على حاضره، وله موقع جغرافي يصوغ مصالحه، وثقافة تشكل وجدانه وسلوك أبنائه، وقدرات ذاتية هي التي تحدد في النهاية مدى ما يتاح له من خيارات. ومصر، في كل هذه المستويات، تطرح على نفسها وعلى العالم أسئلة من نوع خاص، وتستدعي إجابات لا تشبه إلا وجهها الحضاري الفريد.
ولعل أول ما يلفت النظر في هذه الشخصية المصرية هو الإحساس شبه الجمعي، الذي يسري بين أبنائها على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم، بوجود (رسالة) ، أو (دور) ما، يتجاوز حدود الدولة الوطنية التقليدية التي همها الأول إدارة الشأن الداخلي وحماية الحدود.
وهذا الإحساس، في رأيي، لا يمكن رده ببساطة إلى وهم قومي أو تضخيم للذات يصيب الأمم كما يصيب الأفراد، وإنما هو انعكاس أمين لوقائع تاريخية وحضارية ثابتة، يمكن لمن أراد أن يدرسها دراسة علمية موضوعية دون تحيز. فعندما نقول إن مصر عرفت أول دولة مركزية في التاريخ القديم، وسبقت إلى نظم الحكم والإدارة وسن القوانين، فلسنا بصدد التفاخر الفارغ، فإننا نقرر حقيقة يعرفها كل دارسي التاريخ القديم. وعندما نقول إنها كانت مهبطاً للرسالات وملتقى لثقافات المتوسط وأفريقيا وآسيا، فنحن نرصد عملية تفاعل حضاري إنساني جرت وقائعها على هذه الأرض. من هنا، فإن فكرة (الرسالة) ليست اختراعاً نبتدعه، هي نتيجة منطقية واستنتاج طبيعي نخرج به من مقدمات التاريخ.
بيد أن الأهم من ذلك كله هو أن نعي أن هذه المقدمات التاريخية، على عظمها، لا تصلح أن تكون ضمانات جاهزة للمستقبل. فالتاريخ يمنحك سمعة طيبة ومكانة أدبية وإرثاً ثقافياً، وهذا شيء ممتاز بلا شك، ولكنه في الوقت نفسه لا يحل لك مشكلة اقتصادية عويصة تواجهك اليوم، ولا يرد عنك خطراً مائيا داهماً يتهددك غداً!.
إن أفضل ما يمكن أن يقدمه لك التاريخ، إن أحسنت فهمه والاستفادة منه، هو أن يمنحك هامشاً للحركة والمناورة، وعمقاً استراتيجياً تلجأ إليه في المحن والشدائد، وقدرة على احتمال الصدمات والتكيف معها، كما تمنح الجذور العميقة الشجرة الباسقة قدرة على الصمود في وجه العواصف والكوارث.
وتبدو عبقرية مصر التي تحدث عنها جمال حمدان، وهي عبقرية لا تكمن في الجغرافيا وحدها، ولا في التاريخ وحده، لكن في هذا التزاوج النادر والتلاحم العضوي بينهما، حتى كأنما المكان صار صنواً للزمان، وصار الزمان تجسيداً حياً لعبقرية المكان. ولنأخذ النيل مثلاً، فهو لم يمنح مصر الماء والطمي اللذين تقوم عليهما الحياة والزراعة فحسب، إنما منحها خاصية المركزية الطبيعية أيضاً، إذ إن طبيعة الوادي الضيق والمحدود تضطر السكان إلى التعاون والتنظيم من أجل البقاء، فنشأت الدولة المركزية المصرية من رحم الضرورة الطبيعية لا من رحم الصراع السياسي.
غير أن هذه المعادلة الفريدة التي تبدو في ظاهرها منحة خالصة، تنطوي في باطنها على وجه آخر كثيراً ما نغفله أو نفضل غض الطرف عنه. لأن الموقع الذي يجعلك جسراً بين قارات وثقافات، يجعلك أيضاً هدفاً للطامعين وساحة للصراع بينهم. والثقل الحضاري الذي يمنحك قدراً من الاحترام، يفرض عليك في المقابل التزامات وتوقعات لا قبل لك بها أحياناً. وكذلك العمق الاستراتيجي الذي تتوهم أنه يحميك، يستدعي الأطماع ويفتح الباب للاختراقات.
هذه هي المفارقة الحادة، أو ما يمكن أن نسميه المأساة بالمعنى القديم؛ أن تكون منحة القدر هي ذاتها مصدر محنته، وأن تكون القوة كامنة في عناصر الضعف نفسها. فمصر، بحكم هذا الموقع، لا تستطيع أن تكون محايدة بمعنى الانعزال والانغلاق، ولا أن تكون منحازة انحيازاً أعمى بمعنى التطرف والتعصب، فهي مضطرة، بحكم الضرورات العملية التي يمليها الواقع، إلى أن تكون حاضرة في قلب كل معادلات الإقليم، وإلى أن تمسك بخيوط متعددة متشابكة في آن واحد.
وهنا، في صلب هذه المعادلة المعقدة، يبرز البعد الثقافي والفكري كعنصر جوهري لا يقل أهمية بحال عن البعدين العسكري والأمني. ذلك أن الدولة التي تريد حماية أمنها القومي في محيط مضطرب كالشرق الأوسط وأفريقيا، لا يكفيها أن تمتلك جيشاً قوياً ودبلوماسية نشطة، وتحتاج قبل ذلك وبعده، إلى ما يشبه المناعة الداخلية التي تحمي الجسد من الداخل. هذه المناعة الداخلية، كما أراها، هي حاصل جمع ثلاثة عناصر أساسية لا غنى عنها تماسك النسيج الوطني ووحدة أبنائه، وحيوية الثقافة وقدرتها على التجدد والتفاعل مع العصر، وقدرة الاقتصاد على الصمود في وجه الأزمات والنمو المطرد.
وقد أدرك الدكتور ميلاد حنا، بذكاء المثقف المرتبط بهموم وطنه، أن المجتمع المصري ليس كتلة واحدة مصمتة، بل هو نسيج قوامه (الأعمدة السبعة) التي تتفاعل في بوتقة واحدة. وهذا التنوع، الذي قد ينظر إليه البعض نظرة سطحية متخلفة على أنه مصدر ضعف وتشرذم، هو في حقيقته أحد مصادر الثراء والمناعة، ولكن بشرط أساسي لا بد منه، هو أن يدار هذا التنوع بالكثير من الذكاء والتعقل والتسامح، وألا يترك لسياسات الإقصاء والتهميش. فالتنوع الذي لا يحترم يتحول سريعاً إلى انقسام وفرقة، أما التنوع الذي يرعى ويصان فإنه يتحول إلى طاقة إبداعية خلاقة تدفع المجتمع كله إلى الأمام.
وإذا تركنا الحديث عن النسيج الاجتماعي، وجدنا أنفسنا أمام بعدي العقيدة والروح، وهما بعدان لا يمكن لأي تحليل رصين أن يتجاهلهما. وهنا يجب أن نتحلى بالصراحة والوضوح. إن الأزهر الشريف والكنيسة القبطية، كمؤسستين عريقتين ضاربتين في عمق التاريخ، يمثلان معاً رأسمالاً رمزياً وثقافياً هائلاً. فالأزهر هو مرجعية فقهية وفكرية كبرى لها امتداداتها في العالم الإسلامي كله، وما يصدر عنه من خطاب وسطي مستنير – أو ما ينبغي أن يصدر عنه – ليس شأناً داخلياً مصرياً فحسب، بل هو رسالة إلى العالم الخارجي أيضاً.
وبالمثل، فإن الكنيسة القبطية، وهي أقدم كنيسة في القارة الأفريقية والشرق، تمثل حلقة وصل طبيعية مع العالم المسيحي، وتقدم للعالم أجمع نموذجاً حياً للتعايش الديني يمكن أن يحتذى به. إن استثمار هاتين المؤسستين العظيمتين في صياغة خطاب ثقافي إنساني منفتح، يعترف بالآخر، ويحترم الاختلاف، وينبذ كل ألوان العنف والتعصب، يدخل في صميم عملية بناء الأمن القومي الحقيقي، خاصة في عالم أصبح الصراع فيه صراع سرديات وهويات وأفكار قبل أن يكون صراع جيوش وأسلحة.
ومع ذلك، وبحكم أن النقد الذاتي هو أول الطريق إلى أي إصلاح جدي ، فلا نملك إلا أن نسأل أنفسنا بصدق هل نحن، كمصر الدولة والمجتمع، ندرك فعلاً قيمة ما نملك من مخزون حضاري وإنساني؟ وهل نترجم هذا الإدراك – إن وجد – إلى سياسات عملية ملموسة على أرض الواقع؟
فمجرد وجود (رسالة) لا يكفي وحده أبداً، بل لا بد من (مشروع) وطني متكامل يجسد هذه الرسالة ويحولها إلى واقع حي. والفرق بين الرسالة والمشروع هو الفرق بين الحلم النبيل ووسيلة تحقيقه؛ فالرسالة هدف وغاية، أما المشروع فهو خطة ووسيلة وأسلوب عمل. الرسالة قد تكون قدراً وميراثاً لا دخل لنا فيه، أما المشروع فهو اختيار واع وإرادة حرة وعمل دؤوب متواصل.
وهنا، في اعتقادي، تكمن الثغرة والفجوة التي نعاني منها. فلدينا من المبررات التاريخية والجغرافية ما يجعلنا نستشعر أهميتنا ونشعر بها، ولكن السؤال الأصعب والأكثر إلحاحاً هو ماذا سنفعل تحديداً بهذه الأهمية؟ هل سنكتفي بردود الأفعال وإدارة الأزمات اليومية، أم سننتقل إلى مستوى آخر من التفكير الاستراتيجي الهادئ القائم على المبادأة والتخطيط طويل المدى الذي يتجاوز عمر الحكومات والأشخاص؟
العالم من حولنا يتغير بوتيرة متسارعة لم نعهدها من قبل، ونمط الصراعات الدولية والإقليمية ينتقل من صراعات بين جيوش تقليدية إلى ما أصبح يسمى بالصراعات "الهجينة"، التي تختلط فيها الحروب بالوكالة بالحروب الإلكترونية، وتتداخل فيها الصراعات المذهبية والعرقية مع الصراعات على الموارد والممرات المائية.
في هذا العالم المعقد، لا يمكن لدولة بحجم مصر وموقعها أن تتبنى سياسة رد الفعل وانتظار ما يأتي به الغد، لكن لا بد لها من أن تبني عقيدة أمنية خاصة بها، عقيدة مركبة متعددة الأبعاد، تبدأ من الداخل بالتعليم العصري الجيد الذي يبني عقلاً ناقداً مبدعاً، وبالإنتاج الاقتصادي الفعلي الذي يضيف قيمة، وبالتماسك الاجتماعي الذي يمنع الانهيار، وتمتد إلى الخارج بشبكة متوازنة من التحالفات المرنة والمصالح المتشابكة. وعلينا أن نعي تماماً أن الجندي الذي يحرس الحدود، والمهندس الذي يخطط المدن الجديدة في الصحراء، والمعلم الذي يربي النشء في المدارس، والاقتصادي الذي يدير الموارد الشحيحة، كل هؤلاء هم في موقع المسئولية نفسها عن الأمن القومي الشامل، لأن الخلل في أي حلقة من هذه الحلقات سينعكس حتماً وبالضرورة على بقية الحلقات.
وإذا انتقلنا من تحليل الحاضر إلى محاولة استشراف المستقبل، فلا بد من الاعتراف بأن المستقبل ينطوي على تحديات جسام لا يجوز إنكارها أو التهوين من شأنها، ولكنه في الوقت ذاته لا يخلو من فرص قد تكون ثمينة.
إن تغير موازين القوى العالمية، وصعود قوى جديدة على المسرح الدولي، واشتداد حدة التنافس على مصادر الطاقة والممرات البحرية، كلها عوامل تمنح مصر، بموقعها وثقلها، أوراقاً تفاوضية مهمة، شرط أن نحسن استخدامها في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة. فالعالم بأسره يحتاج إلى الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، ولا يمكن تصور استقرار حقيقي بدون مصر. والعالم يحتاج إلى خطاب ديني وسطي رشيد يقف في وجه تيارات التطرف والغلو والإرهاب، ولا خطاب وسطي مؤثر يقدم النموذج المقنع بدون الأزهر. والعالم يحتاج إلى نماذج عملية ناجحة للتعايش بين الثقافات والأديان، ولا يوجد نموذج مكتمل ومقنع بدون النظر إلى التجربة المصرية والاستفادة منها.
المطلوب منا، إذن، هو صياغة (مشروع وطني استراتيجي) واضح المعالم، يستثمر هذه الأوراق التي في أيدينا، ويحول الميزات النسبية الكامنة إلى مكاسب فعلية محسوسة، في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية أولاً، وفي مجال المكانة الإقليمية والدولية والتأثير ثانياً.
وهذا كله، أخيرا، ليس خياراً سياسياً مطروحاً للنقاش بين خيارات أخرى، بل هو ضرورة تاريخية يفرضها الواقع، وشرط أساسي من شروط البقاء ذاته.