قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. عصام محمد عبد القادر يكتب: جبر الخواطر: بلسم الوجدان ومرفأ الأمان

د. عصام محمد عبد القادر
د. عصام محمد عبد القادر

جبر الخواطر يغدو بلسمًا يرقق الوجدان ويبعث الأمل ويزيد طاقة التفاؤل لدى الإنسان، كونه يلامس جراح النفوس المنهكة؛ فيعيد ترميم انكساراتها بحنو بالغ وموقف نبيل يضمد الروح المكلومة، ويزيل عنها غبار الوحشة والأسى؛ لتستعيد عافيتها وثقتها بالحياة في ظل تلاحم وجداني يغمر الوجود بالسكينة والطمأنينة والتقدير لكيان الإنسان ومشاعره الدفينة، التي تنتظر ومضة وفاء تضيء عتمة الأيام، وتنسكب في الأرواح بردًا وسلامًا يحيي فيها موات الرجاء البهي.

يميل الإنسان بطبعه نحو السكينة، ويتلمس بابًا يجد خلفه الأمان، حين يثقل كاهله الضعف، وتتوالى على روحه عواصف الأيام ونوازل الدهر، باحثًا عن دفء يرمم انكسارًا دفينًا في أعماقه؛ فعندما تضيق به السبل وتتلاشى مساحات الصبر تتلاقى نبضات قلبه مع روح أخرى تمنحه طمأنينة لا تضاهى؛ لتنساب مشاعر الأمان في حناياه هادئةً صافيةً، وهناك تشرق شمس الأمل من جديد لتغسل أدران الحزن وتضيء عتمة الدرب بلمسة رفق، تبدد وحشة الطريق وتعيد للإنسان بهجةً للحياة، وتنزل النفس منازل الاستقرار.

تتوهج طاقة الأمل في صدور المتعبين حين تفتح القلوب أبوابها لجبر الخواطر واستقبال المنكسرين، وتضميد جراحهم المترسبة في أعماق الذاكرة؛ لتبدل عتمة العجز بإشراق شعاع أمل يمنحهم المقدرة على مواصلة مسيرة الكفاح، وسط عثرات الأيام وتحدياتها الصعبة؛ فتبرز السندات الدافئة مرفأ حنان آمنا ترمم نواته الأوجاع، وتطمئن في رحابه الأرواح، سعيًا وراء تحقيق غاية الوجود السامي، ونشر السلام الداخلي بين جنبات الحياة المتعبة؛ ليعود البهاء إلى طريق السالكين.

تنساب الحروف في رحاب الوجدان معبرة عن وقع الكلمة الطيبة، حين تلم بها عواصف الشجن؛ فترتجف الأركان، وتستبد بها عزلة موحشة تبحث عن ومضة دفء تلمس بقايا الأمل، وتغسل أدران الأسى الراسخ في الذاكرة؛ لتأتي لفتة الإحسان غيثًا يحيي الأوصال المنهكة، ويعيد صياغة النبض في قالب من السكينة الممزوجة بالنقاء والصفاء؛ فما الحياة سوى محطات للعبور يبدو فيها الأنس بذاك الحضور الفاعل، الذي يرمم شظايا النفس بلا تكلف ولا ادعاء؛ لتدرك القلوب المكلومة أن التلاحم يعد الملاذ الأوحد الذي تنكسر على صخوره حدة الأيام وتشرق في ملامحه شمس الطمأنينة من جديد.

تنهمر كلمات المواساة الطيبة كالقطرات الهادئة على ركام الأرواح المتعبة؛ لتغسل غبار الأيام، وتفتح أبواب الأمل أمام عيون أتعبها الجفاف؛ فالتلاحم المخلص ومساندة القلوب المنكسرة يصنعان واحة خضراء في قاحل الصحراء، تخرج أطيب الثمار، وتمنح النفوس طمأنينة عميقة ترجح موازين السكينة، وتصلح ما أفسدته صدمات الحياة دون انتظار لمقابل أو ثناء؛ ليظل العطاء الإنساني الخالص طاقة شفاء كبرى تعيد للكون بهاءه وتزرع النور في أشد ظلمات الدرب قسوة وغربة.

حين تستبطن الروح أعماق الوجود تدرك حقيقة كبرى مفادها أن النفوس العظيمة تستلهم إشراقتها من التخفيف عن الموجعين؛ إذ يتجاوز جبر الخواطر حدود الفعل المألوف ليتحول إلى طاقة وجودية، تزيل اغتراب النفوس وتبدد ظلمة الصدور بفيض من المودة الخالصة، وحينئذ يبصر الإنسان في مقل سواها مرآة صادقة لجمال معدنه، وهو يتجدد صفاء وسط لجاج الحياة.

تتكسر شظايا الأسى على صخرة القرب الدافئ حين تتلاقى الأرواح في مساحات الصفاء؛ لتنسج ثوبًا قشيبًا من الأمل؛ فيغسل أدران الحزن عن أعماق الخاطر المكسور؛ فتهتز القلوب طربًا لنغمات الوئام العذب، وتزهر الروابي بورود الشغف الهادئ الذي ينثر عبير السكينة في دروب الأيام الموحشة، مستندة إلى واحة العطاء النقي؛ ليغدو النبض خافقًا بحكايات الوفاء العميقة دون التفات إلى عواصف الزمن الغاشمة؛ فتملأ الروح طمأنينة تروي ظمأ السنين المجدبة بقطرات الرحمة المهداة من عيون الإخاء؛ فتستقيم مسارات العيش في ظل أمان وارف الظلال.

تتعدد أشكال جبر الخواطر بين أبسط الأفعال وأعظمها وقعًا على النفس؛ كاليد الحانية المربتة على الكتف، أو الكلمة الطيبة الملامسة لشغاف القلوب الناجية من الغرق؛ لتنقذ الإنسان من ضيق الحال نحو واحة الاطمئنان، وتفعيل هذه القيمة العميقة يسهم في إذابة جفاء النفوس ليحل محلها دفء عاطفي يقلل مسافات التباعد، ويهون وقائع الخذلان، مما يمنح الروح مرونة في استيعاب الآخرين، بصرف النظر عن قسوة الظروف وضغوط الحياة المستمرة لتزهر القلوب بسلام وتنعم بالمحبة والوئام.