أثارت واقعة تداول مقطع فيديو يظهر أبا وهو يعنف أحد أطفاله باستخدام حزام، بينما تقوم والدته بتصوير الواقعة، حالة واسعة من الغضب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما نشرت الأم استغاثة قالت فيها إن أبناءها يتعرضون بشكل متكرر للعنف الجسدي والنفسي داخل منزل الأسرة بمدينة 15 مايو التابعة لمنطقة حلوان، مطالبة بسرعة التدخل لإنقاذ أطفالها.

وتحولت الواقعة إلى قضية رأي عام، وسط مطالبات بفتح تحقيق عاجل، خاصة مع تأكيد الأم أنها تقدمت ببلاغ إلى خط نجدة الطفل، وامتلاكها مقاطع مصورة وتسجيلات توثق – بحسب روايتها – ما يتعرض له الأطفال من اعتداءات متكررة، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الرسمية.
استغاثة أم بعد 12 عاما من المعاناة
وروت الأم، في استغاثتها التي انتشرت على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أنها متزوجة منذ 12 عاما، مؤكدة أنها عاشت طوال هذه الفترة في ظروف وصفتها بالقاسية، بدأت – وفق روايتها – بحرمانها من استكمال تعليمها، وصولا إلى تعرضها وأطفالها لأشكال متعددة من العنف.
وقالت إنها أم لأربعة أطفال، هم أحمد (9 سنوات)، وريان (عام وثلاثة أشهر)، بالإضافة إلى طفلتين توأم، مشيرة إلى أنهم يعيشون في حالة خوف مستمرة بسبب ما يتعرضون له داخل المنزل.
وأضافت أن أبناءها يتعرضون – بحسب قولها – للضرب المبرح والإيذاء البدني، وأن آثار الإصابات تظهر على أجسادهم، مؤكدة أنها حاولت مرارا حمايتهم، لكنها أصبحت هي الأخرى عرضة للاعتداء والإهانة، لافتة إلى أنها فقدت الوعي في بعض المرات نتيجة الاعتداء عليها.

اتهامات بحرمان الأطفال من التعليم
وأوضحت الأم أن الأمر لم يتوقف عند العنف الجسدي، وإنما امتد – وفق روايتها – إلى محاولة منع الأطفال من استكمال تعليمهم، وإجبارهم على القيام بأعمال تفوق طاقتهم، مع توقيع عقوبات وصفتها بأنها "غير إنسانية" حال التقصير.
كما أشارت إلى أنها حاولت مغادرة المنزل أكثر من مرة حفاظا على سلامتها وسلامة أطفالها، إلا أنها – بحسب روايتها – تعرضت للتهديد، كما تم الاحتفاظ بأوراقها الرسمية ومتعلقاتها الشخصية لمنعها من المغادرة، فضلا عن تهديد أفراد أسرتها.
بلاغ إلى نجدة الطفل ومطالبات بالتدخل
وأكدت الأم أنها حررت بلاغا لدى خط نجدة الطفل يحمل رقم (134839)، مطالبة وزارة الداخلية والنيابة العامة والمجلس القومي للطفولة والأمومة بسرعة التدخل لحماية الأطفال، وتوفير الرعاية الطبية والنفسية اللازمة لهم، وفحص جميع التسجيلات ومقاطع الفيديو التي قالت إنها بحوزتها لإثبات ما تعرض له أطفالها.
وفي المقابل، لم تصدر حتى الآن نتائج رسمية بشأن الواقعة، بينما تبقى جميع الاتهامات الواردة في الاستغاثة محل تحقيق من الجهات المختصة.
ماذا يقول القانون المصري؟
يؤكد قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته، أن لكل طفل الحق في الحماية من جميع أشكال العنف أو الإساءة أو الإهمال أو الاستغلال، ويلزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة لحمايته حال تعرضه لأي خطر.
كما ينص الدستور المصري على حماية الطفل من كافة صور العنف والإساءة وسوء المعاملة، ويمنح جهات التحقيق المختصة الحق في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الأطفال، والتي قد تشمل إيداع الطفل في مكان آمن بصورة مؤقتة إذا ثبت وجود خطر يهدد سلامته.
وفي حال ثبوت وقائع الاعتداء، قد يواجه مرتكبها اتهامات تتعلق بالضرب أو الإيذاء، وتزداد العقوبة إذا ترتب على الاعتداء إصابات جسيمة أو كان المجني عليه طفلا، فضلا عن إمكانية اتخاذ تدابير قانونية تتعلق بحماية الأطفال ورعايتهم.
كيف يفسر علم النفس الواقعة؟
وفي هذا الصدد، يقول الدكتور وليد هندي، الاستشاري النفسي، إن تعرض الطفل بصورة متكررة للعنف الجسدي أو اللفظي يترك آثارا نفسية قد تستمر لسنوات طويلة، من بينها اضطرابات القلق والخوف المزمن، وفقدان الشعور بالأمان، وضعف الثقة بالنفس، إضافة إلى احتمالات الإصابة بالاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة.

وأضاف هندي- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن الطفل الذي ينشأ في بيئة تعتمد على العنف قد يعتبره وسيلة طبيعية لحل الخلافات، ما يزيد احتمالات انتقال السلوك العدواني إلى مراحل عمرية لاحقة.
وتابع: "تصوير الاعتداءات لا يقل أهمية عن وقفها، إذ إن توثيقها قد يسهم في إثبات الوقائع أمام جهات التحقيق، لكنه لا يغني عن التدخل الفوري لحماية الأطفال من استمرار التعرض للأذى".
وأردف: "تعد الأسرة البيئة الأولى التي يكتسب فيها الطفل قيمه وسلوكياته، وعندما تتحول إلى مصدر للخوف بدلا من الأمان، فإن ذلك ينعكس سلبا على شخصية الطفل وعلاقاته بالمجتمع".
واختتم: "استمرار العنف الأسري يؤدي إلى تفكك الروابط الأسرية، وارتفاع معدلات الانحراف والتسرب من التعليم، فضلا عن إعادة إنتاج دائرة العنف داخل المجتمع، حيث قد يصبح الطفل المعنف أكثر قابلية لممارسة العنف مستقبلا إذا لم يحصل على الدعم والعلاج النفسي المناسب".
ومن جانبه، يقول ربيع سالم، محامي بالنقض، إن قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته بالقانون رقم 126 لسنة 2008 كفل للطفل الحماية من جميع أشكال العنف والإساءة والإهمال وسوء المعاملة، وألزم الدولة بالتدخل متى تعرض الطفل لأي خطر يهدد سلامته الجسدية أو النفسية.

وأضاف سالم- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن الاعتداء بالضرب من الأب على أبنائه لا يمنحه حصانة قانونية، فإذا أسفر الضرب عن إصابات أو جروح أو عاهة، فإن الفعل قد يشكل جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات، وتختلف العقوبة بحسب جسامة الإصابة والنتيجة المترتبة عليها، وقد تصل إلى الحبس في بعض الحالات.
ولابد من سرعة الإبلاغ عن أي انتهاكات يتعرض لها الأطفال، وضرورة تفعيل آليات الحماية القانونية والاجتماعية، باعتبار أن حماية الطفل ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل مسؤولية تشارك فيها الدولة ومؤسساتها والمجتمع بأكمله، مع انتظار ما ستسفر عنه تحقيقات الجهات المختصة لكشف ملابسات الواقعة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

