ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال يقول: “ما حكم عمل سايبر يحتوي على ألعاب ترفيهية؟ حيث أنوي المشاركة مع صديق لي في افتتاح مشروع سايبر ترفيهي، يكون من بين أنشطته: ألعاب إلكترونية، ومواقع إنترنت غير محدودة، وطباعة، وفاكس، وبعض الأنشطة الأخرى. فما حكم ذلك؟ وقد أخبرني أحد أقربائي بأن هذا المشروع حرام؛ لأنه يندرج تحت اللهو واللعب، ويلهي عن الصلاة والذكر والأعمال المفيدة بالحياة”.
وقالت دار الإفتاء في إجابتها على السؤال، إن الحكم الشرعي في مشروع السايبر الترفيهي الذي تنوي المشاركة فيه، أنه إن خلا من كل المحاذير الشرعية، كالألعاب والمواقع التي تشتمل على عورات أو تدعو للرذيلة، والتزمتم كأصحاب للمشروع بما يلزم لعدم الإعانة على إلهاء رواد المكان عن واجباتهم الدينية كالصلاة؛ فحكمه حينئذٍ الجواز والإباحة، والربح منه حلال.
أما إذا اشتمل على شيء من المحرمات، كالتساهل في عرض المحتوى الإباحي أو الألعاب المحرمة، أو تسبب صاحب السايبر في إضاعة الواجبات على رواده؛ فيصير الحكم هو الحرمة، وتكون المشاركة فيه من باب التعاون على الإثم والعدوان، والعبرة بالمحتوى والغاية، وعلى المسلم أن يكون رقيبًا على نفسه وماله، وأن يتجنب ما يضره، وأن يختار ما ينفعه في دينه ودنياه.
صور الترفيه والترويح عن النفس
وقد جاءت الشريعة الإسلامية الغراء بتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد، ووازنت بين حاجات الروح والجسد، وحثت الإنسان على العمل للآخرة، مع عدم نسيان أخذ نصيبه من الدنيا؛ قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]؛ "أَيْ: مِمَّا أَبَاحَ اللهُ فِيهَا مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَنَاكِحِ؛ فَإِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حَقًّا، وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ فَآتِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ".
وأباحت الشريعة من صور الترفيه والترويح واللهو ما لا يتعارض مع مقاصدها الكلية وقيمها الأخلاقية.
وقد رسَّخ النبي صلى الله عليه وآله وسلم معنى الترويح عن النفس في الحديث الذي رواه حنظلة الْأُسَيِّدِيُّ رضي الله عنه حين شكا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يجده من فرق بين حاله عند النبي وحاله مع أهله، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا حَنْظَلَةُ، لَوْ كنْتُمْ كمَا تَكونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكمُ الْمَلَائِكةُ عَلَى فُرُشِكمْ -أَوْ: عَلَى طُرُقِكمْ-، يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً» أخرجه مسلم في "الصحيح". وقوله: «سَاعَةً وَسَاعَةً»؛ "أي: أريحوها بعض الأوقات من مكابدة العبادات بمباحٍ لا عقاب فيه ولا ثواب.
وفيما يخص مشروع السايبر الترفيهي المذكور، فإنه يشتمل على خدمات متنوعة؛ بعضها مباح في أصله ولا إشكال فيه، كخدمات الطباعة والفاكس وما شابهها من الخدمات المكتبية النافعة، أما الإشكال الذي يَرِدُ غالبًا، والذي يقع فيه المحظور، فيتعلق بالجانب الترفيهي من المشروع، وتحديدًا في الألعاب الإلكترونية واستخدام الإنترنت المفتوح، وحكم هذه الأنشطة منوطٌ بطبيعة المحتوى المقدم والغاية منه.
وأصافت: فإن كانت أنشطة الألعاب في مشروع السايبر تخلو من المحرمات، وتؤدي غرضًا مباحًا، فلا مانع منها، إذ من المقرر في الشرع الشريف أنَّ الأصل في اللهو واللعب والترويح عن النفس الإباحة، ما لم يقترن اللعب بمحظور شرعي؛ فيُنْهَى عنه؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: 12].
وعن أم المؤمنين عَائِشة رضي الله عنها قالت: "كَانَ الْحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فَسَتَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَنَا أَنْظُرُ، فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللَّهْوَ" متفق عليه.

