لم تكن حرب الاستنزاف مجرد اشتباكات متفرقة على ضفتي قناة السويس، وإنما كانت سلسلة من المعارك والعمليات النوعية التي أعادت للجيش المصري زمام المبادرة، وفرضت على إسرائيل مواجهة جيش بدأ يستعيد قدرته على القتال بعد حرب يونيو 1967.
من رأس العش إلى إغراق المدمرة إيلات، ومن قصف مواقع العدو في رمانة وبالوظة إلى تدمير الحفار "كينتنج"، وصولا إلى إسقاط طائرات الفانتوم خلال أسبوع تساقطها تعددت ساحات المواجهة، لكن الهدف ظل واحدا، استنزاف قدرات العدو، وكسر تفوقه، وإعادة بناء الثقة والقدرة القتالية للجيش المصري، تمهيدا لمعركة العبور.
معركة رأس العش.. أول انتصار بعد يونيو
في يوليو 1967، كانت معركة "رأس العش" واحدة من أولى المواجهات التي خاضها الجيش المصري ضد قوات العدو بعد حرب يونيو، وجاءت نتائجها لتترك أثرا بالغا في نفوس المقاتلين المصريين، باعتبارها إحدى أبرز علامات مرحلة الصمود التي أعقبت الهزيمة.
ففي الساعات الأولى من صباح الأول من يوليو 1967، وبعد نحو ثلاثة أسابيع من عدوان 5 يونيو، تحركت قوة مدرعة إسرائيلية من القنطرة شرق باتجاه الشمال، بهدف الوصول إلى ضاحية بور فؤاد المواجهة لمدينة بورسعيد على الضفة الشرقية لقناة السويس.
وكانت إسرائيل تستهدف احتلال بور فؤاد، باعتبارها المنطقة الوحيدة في سيناء التي لم تتمكن من احتلالها خلال حرب يونيو، فضلا عن تهديد بورسعيد ووضعها تحت ضغط الاحتلال الإسرائيلي، لكن القوات المصرية كانت في انتظارها.
اتخذ مقاتلو الصاعقة مواقعهم، وشكلوا خط دفاع أمام القوة الإسرائيلية المتقدمة، التي ضمت ثلاث دبابات مدعمة بقوة من المشاة الميكانيكية على عربات نصف جنزير، وبمجرد بدء الهجوم، تشبث مقاتلو الصاعقة بمواقعهم، وصمدوا أمام التقدم الإسرائيلي، وتمكنوا من تدمير ثلاث دبابات معادية، ولم يتوقف الأمر عند المواجهة المباشرة، إذ وضعت القوات المصرية خطة محكمة لاقتناص المدرعات الإسرائيلية.
اتخذ كل مقاتل موقعه، وانتظر الجميع اللحظة المناسبة، ومع ظهور المدرعات الإسرائيلية، انفجر لغم أرضي في مقدمة الموكب، ثم انفجر آخر في مؤخرته، لتجد القوة الإسرائيلية نفسها تحت نيران القوات المصرية ومحاصرة في موقعها.
حاول العدو استئناف الهجوم، كما حاول الالتفاف على الموقع من الجانبين، لكنه فشل في اختراق الدفاعات المصرية، وانتهت المواجهة بتدمير عدد من العربات نصف المجنزرة، وسقوط خسائر بشرية في صفوف قوات العدو، التي اضطرت إلى الانسحاب.
وظل قطاع بور فؤاد الجزء الوحيد من سيناء الذي بقي تحت السيطرة المصرية حتى اندلاع حرب أكتوبر 1973.
محاولات إسرائيلية فاشلة للسيطرة على القناة
وفي أعقاب معركة رأس العش، حاولت القوات الإسرائيلية في 4 يوليو 1967 تنفيذ عمليات إنزال باستخدام لنشات وقوارب في مناطق القنطرة وكبريت والشط وبور توفيق، في محاولة لإظهار قدرتها على السيطرة على قناة السويس، لكن القوات المصرية تصدت لهذه المحاولات برا وبحرا وجوا، وتمكنت من إفشالها.
وتكبدت قوات العدو خسائر شملت ثماني طائرات وثمانية زوارق بحرية، إلى جانب إصابة وتدمير 19 دبابة و18 مركبة مدرعة و27 مركبة محملة بالذخائر، فضلا عن خسائر كبيرة في الأفراد.
القوات الجوية
خلال يومي 14 و15 يوليو 1967، نفذت القوات الجوية المصرية طلعات هجومية ضد قوات العدو في سيناء، وأوقعت بها خسائر، كما أدت العمليات إلى فرار عدد من الأفراد الإسرائيليين من مواقعهم، وكان لهذه العمليات أثر مهم في رفع الروح المعنوية للمقاتلين المصريين، وتعزيز الثقة في قدرة القوات الجوية على العودة إلى ساحة المواجهة وشن هجمات مؤثرة ضد قوات العدو.
معارك المدفعية
وفي 20 سبتمبر 1967، دخلت المدفعية المصرية في اشتباك كبير ركزت خلاله إمكاناتها في قطاع شرق الإسماعيلية، وتمكنت المدفعية المصرية من إصابة وتدمير عدد من الدبابات الإسرائيلية، إلى جانب استهداف عربات لاسلكي وإيقاع خسائر في صفوف القوات الإسرائيلية، شملت، 25 قتيلا ونحو 300 جريح.
إغراق إيلات
وكان أبرز هذه المواجهات هي تمكن زوارق الصواريخ المصرية من إغراق المدمرة إيلات الإسرائيلية شمال شرق بورسعيد في 21 أكتوبر 1967، في عملية مثلت محطة بارزة في تاريخ الحرب البحرية، وكانت من أوائل الاستخدامات القتالية لصواريخ "سطح-سطح" في هذا السياق، وكانت الخسائر البشرية التي لحقت بالمدمرة كبيرة، ما دفع الجانب الإسرائيلي إلى طلب السماح، عبر الأمم المتحدة، بالبحث عن القتلى والغرقى في منطقة التدمير شمال بورسعيد.
رمانة وبالوظة
كانت المواجهة البحرية إحدى أبرز ساحات الصراع خلال الفترة الممتدة من يونيو 1967 وحتى أغسطس 1970، ففي عام 1969، اتجه الجيش المصري إلى تنفيذ عملية نوعية ضد مواقع العدو على الساحل الشمالي لسيناء، حيث كانت القوات الإسرائيلية تتمركز في موقعين رئيسيين؛ أحدهما لتجمعات إدارية في منطقة رمانة، والآخر موقع لصواريخ "هوك" في بالوظة، إلى جانب تجمعات إدارية شرق بورسعيد بنحو 40 كيلومترا، وصدرت التعليمات بتدمير الموقعين باستخدام المدمرتين "الناصر" و "دمياط"، بالتعاون مع لنشات الطوربيد والصواريخ.
الحفار كينتنج
بعد حرب 1967، حاولت إسرائيل توظيف عمليات البحث عن البترول في خليج السويس كوسيلة للضغط على مصر، وقررت المضي في استخراج البترول، في محاولة لدفع القاهرة إلى مواجهة يمكن استغلالها سياسيا وعسكريا، وأعلنت شركة "ميدبار" الإسرائيلية الأمريكية الإنجليزية استئجار الحفار "كينتنج"، وبدأت إسرائيل في الإعلان عن مخططها.
وأدركت القيادة المصرية أن الدخول في مواجهة مباشرة قد يحقق الهدف الإسرائيلي باستدراج مصر إلى معركة لم تكن قد استعدت لها بالصورة الكافية، ومن هنا جاء التفكير في تنفيذ عملية سرية خارج الأراضي المصرية، لا تترك وراءها أدلة تثبت المسؤولية المصرية.
تولى جهاز المخابرات العامة المصرية التخطيط للعملية، وبعد الحصول على معلومات تفيد بأن الحفار سيتوقف في داكار بالسنغال، بدأت الاستعدادات لتنفيذ المهمة، وتوجهت مجموعة من الضفادع البشرية بقيادة الرائد خليفة جودت، لكن الخطة واجهت مفاجأة عندما أطلق الحفار صفارته معلنا مغادرته الميناء قبل تنفيذ العملية.
لم تتوقف المهمة، وصل الحفار إلى أبيدجان في ساحل العاج في فجر 6 مارس 1970، بالتزامن مع مهرجان ضخم لاستقبال عدد من رواد الفضاء الأمريكيين الذين كانوا يزورون أفريقيا للمرة الأولى.
استغلت المجموعة المصرية انشغال السلطات المحلية بتأمين الزيارة، وتمكنت من الاقتراب من الحفار، الذي كان متوقفا على مسافة قريبة من قصر الرئيس العاجي.
وتكونت الدفعة الأولى من الضفادع البشرية من ثلاثة أفراد: الملازم أول حسني الشراكي، والملازم أول محمود سعد، وضابط الصف أحمد المصري، إلى جانب قائدهم الرائد خليفة جودت، وكان من المخطط مشاركة ثمانية أفراد في العملية، إلا أن الظروف دفعت المجموعة الموجودة إلى تنفيذ المهمة دون انتظار وصول باقي العناصر.
تسللت الضفادع المصرية من منطقة الغابات، وتمكنت من الوصول إلى الحفار وتلغيمه ثم دوى الانفجار في 8 مارس 1970.
وفي الوقت الذي كان فيه أبطال العملية يشقون طريق العودة إلى القاهرة، كان الحفار قد خرج من الخدمة، في واحدة من أكثر العمليات السرية لفتا للانتباه خلال حرب الاستنزاف.
أسبوع تساقط الفانتوم
مع تصاعد حرب الاستنزاف، واجهت القوات المصرية تحديا بالغ الصعوبة في مواجهة أحدث الطائرات الإسرائيلية، وفي مقدمتها الفانتوم و سكاي هوك.
وفي أواخر عام 1969، حصلت إسرائيل على طائرة الفانتوم الأمريكية الحديثة، المزودة بتجهيزات إلكترونية متقدمة وأنظمة رادار واستشعار وحرب إلكترونية، بما منحها قدرات عالية في اكتشاف الصواريخ المعادية والمناورة لتفاديها، وفي مواجهة هذه القدرات، بدأ رجال الدفاع الجوي المصريون في بناء حائط الصواريخ، في ظل تعرضهم لهجمات جوية متواصلة.
لم يكن بناء الحائط مجرد إنشاءات دفاعية، وإنما كان معركة مستمرة تحت القصف، اعتمدت على التدريب الواقعي والخبرة التي اكتسبها رجال الدفاع الجوي في ظروف القتال الفعلية.
وجاء الاختبار الحاسم في الفترة من 30 يونيو إلى 7 يوليو 1970، وخلال هذه الفترة، تمكنت قوات الدفاع الجوي من إسقاط عدد من طائرات العدو، بينها طائرات من طراز فانتوم و سكاي هوك، كما تمكنت من أسر عدد من الطيارين الإسرائيليين.
وكان إسقاط الفانتوم نقطة فارقة، إذ أثبت أن التفوق التكنولوجي والجوي الإسرائيلي لم يكن مطلقًا، وأن رجال الدفاع الجوي المصريين استطاعوا تطوير أساليب المواجهة والتعامل مع أحدث الطائرات التي امتلكتها إسرائيل في ذلك الوقت.