تعد حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية، فقد تضافرت خلالها جهود مختلف التشكيلات والقيادات في ملحمة عسكرية خاض فيها المصريون معركة استعادة الأرض والكرامة، ودفعوا من أجلها أثمانا غالية من دمائهم، حتى استعادوا جزءا عزيزا من أرض الوطن، وهي سيناء.
ولم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية، وإنما كانت اختبارا حقيقيا لقدرة مصر على تحويل إرادة التحرير إلى واقع، وإعادة بناء قواتها المسلحة بعد سنوات من الصراع، وصولا إلى لحظة العبور التي أعادت إلى الجيش المصري ثقته وقدرته على المبادرة وتحقيق أهدافه.
وفي قلب هذه الملحمة، برزت أسماء عدد من القادة الذين أسهموا في الإعداد للمعركة وإدارتها، وكان من بينهم الفريق محمد سعيد الماحي
النشأة والبداية العسكرية
ولد الفريق محمد سعيد الماحي في الأول من فبراير عام 1922 بمحافظة دمياط، والتحق بالكلية الحربية عام 1939، وتخرج فيها في الأول من يونيو عام 1942، متخصصا في سلاح المدفعية، لتبدأ مسيرة عسكرية طويلة ارتبط خلالها اسمه بتطوير هذا السلاح وتعزيز قدراته القتالية.
التدرج في سلاح المدفعية
تدرج الفريق محمد سعيد الماحي في مختلف وظائف سلاح المدفعية، وتولى قيادة لواء مدفعية، قبل أن يصل إلى منصب قائد المدفعية المصرية، مستفيدا من خبراته المتراكمة في ميادين القتال ومن مشاركته في عدد من الحروب التي خاضتها مصر.
شارك في حروب مصر
شارك الفريق محمد سعيد الماحي في العديد من الحروب والمعارك، من بينها حرب فلسطين عام 1948، والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وحرب الخامس من يونيو عام 1967، ثم حرب أكتوبر عام 1973، التي شهدت ذروة الدور الذي اضطلع به سلاح المدفعية في دعم عملية العبور واقتحام التحصينات الإسرائيلية.
تطوير سلاح المدفعية
خلال الفترة من عام 1968 وحتى عام 1973، نجح رجال سلاح المدفعية في استيعاب التطويرات الفنية والتقنية التي أدخلت على الأسلحة الجديدة التي انضمت إلى السلاح، كما تمكنوا من التعامل مع التعديلات المتلاحقة في منظومات التسليح، بدءا من الصواريخ المضادة للدبابات وصولا إلى الصواريخ أرض ـ أرض.
ولم يقتصر هذا التطوير على المستوى التكتيكي، وإنما امتد إلى المستوى الاستراتيجي، وهو ما انعكس بصورة واضحة في الأداء القتالي لسلاح المدفعية خلال العمليات في سيناء، حيث أثبت رجال المدفعية قدرتهم على توظيف الأسلحة والتقنيات الجديدة بكفاءة وفاعلية.
من عدوان يونيو إلى حرب الاستنزاف
عقب عدوان الخامس من يونيو عام 1967، بدأ العدو الإسرائيلي في إقامة خط دفاعي حصين على امتداد الضفة الشرقية لقناة السويس، مستغلا فترة وقف إطلاق النار التي أعقبت الحرب.
ومع بدء مرحلة كسر وقف إطلاق النار، بدأت المدفعية المصرية، بمختلف أعيرتها، في التعامل مع هذه التحصينات، ونجحت في تدمير جانب منها، واستمر القتال حتى صدر قرار وقف إطلاق النار في أغسطس عام 1970.
وكانت التحصينات الإسرائيلية قد أقيمت بمستوى هندسي مرتفع، وهو ما فرض أعباء كبيرة على المدفعية المصرية، ودفع إلى تطوير أساليب التعامل معها والاستعداد لمواجهة منظومة التحصينات في أي معركة مقبلة.
وقبل حرب أكتوبر، أنشأ سلاحا المدفعية والمهندسين نقاطا قوية في العمق المصري، شبيهة في طبيعتها بحصون خط بارليف، وجاءت هذه النقاط، وفقا لما يورده النص، متفوقة على نقاط العدو من حيث القوة والمناعة والتحصين، فضلا عن الأسلاك والألغام.
مهام استثنائية في نصر أكتوبر
مع انطلاق حرب أكتوبر، اضطلعت المدفعية المصرية بمهام تجاوزت طبيعة أدوارها التقليدية، حيث شاركت في فتح الثغرات في حقول الألغام والأسلاك أمام حصون خط بارليف، بما أتاح لقوات المشاة والمدرعات اقتحام هذه الحصون والاستيلاء عليها.
كما نفذت عملية عبور المدفعية بمختلف أعيرتها وفقا للتخطيط الموضوع، وعبرت أجزاء من المدفعية الثقيلة المصرية إلى الضفة الشرقية لقناة السويس في السادس من أكتوبر، لتتمكن من التعامل مع القوات الإسرائيلية في العمق وبأقصى مدى نيراني مؤثر.
وفي الوقت نفسه، جرى الاحتفاظ بجزء آخر من المدفعية في غرب القناة، ليكون بمثابة عمق نيراني قادر على التعامل مع أسلحة العدو في التوقيت المناسب، وفقا لمتطلبات المعركة.
وامتدت مهام سلاح المدفعية إلى الاستعداد لضرب العمق الإسرائيلي بالصواريخ الاستراتيجية من طراز "سكود" إذا تطلبت ظروف المعركة ذلك، بما عكس اتساع نطاق المهام التي أعد لها السلاح خلال الحرب.
أكثر من 2000 مدفع
كان أكثر من 2000 مدفع قد حشد على امتداد قناة السويس لمواجهة العدو الإسرائيلي، وكان حشد هذا العدد الكبير من المدافع والذخائر على خط المواجهة يمثل، في حد ذاته، عملية خداع عسكري واسعة، إذ جرى إدخال المدافع وذخيرتها إلى مواقعها دون أن يدرك العدو طبيعة هذا الحشد وحجمه.
ومع بدء المعركة، لعبت المدفعية المصرية دورًا مؤثرًا في ضرب تجمعات العدو، ولا سيما مناطق تشوين الذخيرة وحشد الدبابات في العمق، كما أسهمت في التعامل مع الاحتياطي المدرع الإسرائيلي خلال الأيام الأولى للحرب، وحققت مستويات مرتفعة من الفاعلية النيرانية.
ومع تقدم العمليات، عبرت تشكيلات المدفعية إلى سيناء، مواصلة أداء مهامها القتالية، وممتدة بنيرانها إلى عمق المعركة، حتى تقدمت خلف القوات العابرة، رافعة رايات النصر على أرض سيناء.
ارتبط اسم الفريق محمد سعيد الماحي بمسيرة طويلة داخل سلاح المدفعية، بدأت منذ تخرجه في الكلية الحربية وتخصصه في هذا السلاح، وامتدت عبر حروب مصر المختلفة، وصولا إلى حرب أكتوبر، التي قدمت فيها المدفعية المصرية واحدة من أبرز صور التطور في التخطيط والتسليح والتمهيد النيراني، وأسهمت في تهيئة الطريق أمام القوات لاقتحام التحصينات وعبور قناة السويس والتقدم داخل سيناء.