تعد حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية، فقد تضافرت خلالها جهود مختلف التشكيلات والقيادات في ملحمة عسكرية خاض فيها المصريون معركة استعادة الأرض والكرامة، ودفعوا من أجلها أثمانا غالية من دمائهم، حتى استعادوا جزءا عزيزا من أرض الوطن، وهي سيناء.
ولم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية، وإنما كانت اختبارا حقيقيا لقدرة مصر على تحويل إرادة التحرير إلى واقع، وإعادة بناء قواتها المسلحة بعد سنوات من الصراع، وصولا إلى لحظة العبور التي أعادت إلى الجيش المصري ثقته وقدرته على المبادرة وتحقيق أهدافه.
وفي قلب هذه الملحمة، برزت أسماء عدد من القادة الذين أسهموا في الإعداد للمعركة وإدارتها، وكان من بينهم الشهيد العميد إبراهيم الرفاعي.
المولد والنشأة
ولد العميد الشهيد إبراهيم الرفاعي في 26 يونيو عام 1931، بقرية الخلالة التابعة لمركز بلقاس بمحافظة الدقهلية، ونشأ في أسرة عسكرية، ليبدأ منذ سنواته الأولى طريقا ارتبط لاحقا بميادين القتال والبطولة والتضحية.
الالتحاق بالقوات المسلحة
التحق الشهيد إبراهيم الرفاعي بالكلية الحربية عام 1951، وتخرج فيها عام 1954، ثم انضم إلى سلاح المشاة، وكان ضمن أول فرقة لقوات الصاعقة المصرية.
ولم يقتصر دوره على المشاركة في العمليات، بل عين مدرسا بمدرسة الصاعقة، وأسهم في بناء أول قوة للصاعقة المصرية، لتتبلور خلال تلك المرحلة ملامح قائد جمع بين الخبرة الميدانية والقدرة على إعداد المقاتلين.
وعندما وقع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، شارك العميد إبراهيم الرفاعي في الدفاع عن مدينة بورسعيد، وكانت معارك بورسعيد واحدة من أهم المحطات في حياته العسكرية.
وبعد ذلك، التحق بفرقة المظلات، قبل أن ينتقل إلى قيادة وحدات الصاعقة، مواصلا طريقه داخل القوات المسلحة، ومقتربا من الدور الذي سيضع اسمه في مقدمة رجال العمليات الخاصة.
تشكيل المجموعة 39 قتال
عقب عدوان الخامس من يونيو 1967، اتجهت القوات المسلحة إلى تشكيل مجموعات صغيرة الحجم لتنفيذ عمليات نوعية داخل عمق العدو الإسرائيلي في سيناء.
وكانت أولى هذه المجموعات مجموعة الشهيد العميد إبراهيم الرفاعي، التي أطلق عليها اسم المجموعة 39 قتال، واتخذت من رأس النمر شعارا لها.
ومنذ تأسيسها، دخلت المجموعة مرحلة جديدة من العمل القتالي، تقوم على الحركة السريعة، والمباغتة، وتنفيذ الضربات في عمق مواقع العدو، في إطار حرب فرضت على القوات المصرية مواجهة الاحتلال بوسائل تتناسب مع طبيعة المرحلة.
أولى عمليات المجموعة 39 قتال
جاءت أولى عمليات المجموعة 39 قتال في نسف قطار للعدو الإسرائيلي عند الشيخ زويد، أعقبتها عملية نسف مخازن الذخيرة التي تركتها القوات المصرية في سيناء بعد عدوان الخامس من يونيو 1967.
وكانت تلك العمليات بداية لمسيرة طويلة من المهام النوعية التي نفذها الرفاعي ورجاله خلال حرب الاستنزاف، وأثبتت قدرة المجموعات القتالية الصغيرة على الوصول إلى مواقع العدو وضرب أهدافه والعودة من قلب مناطق العمليات.
ضربات في عمق الاحتلال
خلال حرب الاستنزاف، نفذ الشهيد العميد إبراهيم الرفاعي، ومعه رجال المجموعة 39 قتال، العديد من العمليات النوعية، كان من أبرزها نسف مخازن الذخيرة في الشيخ زويد عام 1968.
كما نفذ عملية احتلال موقع المعدية رقم 6 في مارس 1968، وهو الموقع الذي كانت تطلق منه القذائف التي تسببت في استشهاد الفريق عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، الذي استشهد في 9 مارس عام 1968 على الجبهة المصرية.
ولم تتوقف عمليات المجموعة عند هذا الحد؛ ففي 29 أغسطس 1969، قاد الرفاعي عملية نسف رصيف الكرنتينة، الذي كان يمثل منطقة حيوية للعدو الإسرائيلي أثناء احتلاله سيناء، حيث كانت تتجمع فيه اللنشات العسكرية الخفيفة المستخدمة في العمليات العسكرية، فضلا عن تقديم الخدمات للسفن في خليج السويس.
وصدر الأمر للرفاعي ومجموعته بنسف الرصيف، فقام بتحزيمه بالمفرقعات، وضبطها على الانفجار بعد ساعة، لينفجر الموقع وفقا للخطة الموضوعة.
كما قاد البطل عملية فتح طريق الزعفران، ففي التاسع من سبتمبر عام 1969، وبعد أن قام العدو الإسرائيلي بسرقة رادار مصري في منطقة الزعفرانة بالبحر الأحمر، كلف الشهيد إبراهيم الرفاعي ورجاله بسرعة التحرك إلى المنطقة لإعادة فتح الطريق وتطهير الطريق الأسفلتي من الألغام التي زرعتها قوات العدو.
ونجح الرفاعي ورجال المجموعة 39 قتال في تنفيذ المهمة، ليؤكدوا مرة أخرى أن عمق سيناء والطرق المحيطة بها لم تكن بمنأى عن ضربات القوات المصرية.
حرب أكتوبر
مع اندلاع حرب أكتوبر، واصل الشهيد إبراهيم الرفاعي ورجال المجموعة 39 قتال تنفيذ عملياتهم النوعية، وأدخلوا الرعب في قلوب جنود جيش العدو، من خلال ضربات استهدفت مواقع وأهدافًا حيوية.
وفي السادس من أكتوبر 1973، نفذ الرفاعي ورجاله عملية تدمير آبار بترول بلاعيم، ثم واصلوا عملياتهم في اليوم التالي، السابع من أكتوبر، بضرب مواقع العدو الإسرائيلي في شرم الشيخ ورأس محمد، إلى جانب تنفيذ عملية الإغارة على مطار الطور.
وفي التاسع عشر من أكتوبر، نفذت المجموعة عملية في منطقة الدفرسوار، وأسهمت في منع العدو من التقدم في اتجاه طريق الإسماعيلية/القاهرة.
وهكذا واصلت المجموعة 39 قتال أداء دورها في قلب المعركة، متنقلة بين الأهداف، وموجهة ضرباتها إلى مواقع العدو في واحدة من أكثر مراحل الحرب احتدامًا.
الشهادة
مع تطورات الموقف العسكري خلال حرب أكتوبر، استدعي الشهيد البطل العميد إبراهيم الرفاعي إلى غرفة عمليات الحرب، حيث شرح له الرئيس الراحل أنور السادات والمشير أحمد إسماعيل، وزير الحربية، الموقف العسكري في منطقة الثغرة، وطلبا منه إعداد خطة لتدمير المعبر الإسرائيلي.
تحرك الرفاعي على رأس رجاله من أبطال المجموعة 39 قتال إلى منطقة الجيش الثاني الميداني، وتوجه إلى مركز قيادة الجيش، وهناك علم باستحالة نسف المعبر عن طريق الضفادع البشرية.
وعلى إثر ذلك، أصدر الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان الجيش المصري، توجيهاته بتحرك الرفاعي ورجاله إلى تقاطع سرابيوم عند قرية نفيشة، لمنع تقدم قوات العدو في اتجاه الإسماعيلية.
تقدم الرفاعي ورجاله، قبل أن تكشف عناصر الاستطلاع عن مجموعة من دبابات العدو، فتحرك الرفاعي في اتجاه موقع الصواريخ المضادة، ثم أعاد توزيع قواته، وأصدر توجيهاته بتمركز الرجال في مواقعهم.
وبدأ الاشتباك مع قوات العدو، وخاض الرفاعي ورجاله المعركة بشراسة، وهم يسمعون قرآن أذان الجمعة، في مشهد امتزجت فيه أصوات المعركة بأصوات الإيمان، بينما ظل الرجال في مواقعهم حتى اللحظة الأخيرة.
وفي 19 أكتوبر عام 1973، استشهد البطل إبراهيم الرفاعي بين رجاله، فسارعوا إليه، ليكتشفوا أن شظية من قذائف العدو اخترقت صدره وأصابته، وسالت دماؤه الطاهرة، وصعدت روحه إلى بارئها، بعد أن كتب آخر سطور حياته في قلب المعركة وبين رجاله.
الأنواط والأوسمة
حصل الشهيد البطل العميد إبراهيم الرفاعي على عدد من الأنواط والأوسمة، تقديرا لمسيرته العسكرية وما قدمه من أعمال وبطولات، ومن أبرزها:
نوط الشجاعة العسكري من الطبقة الأولى عامي 1960 و1968.
ميدالية الترقية الاستثنائية عام 1965.
وسام النجمة العسكرية عام 1969.
نوط الواجب العسكري عام 1971.
وسام نجمة الشرف عام 1971.
وسام نجمة سيناء عام 1974.
وسام الشجاعة الليبي عام 1974.
سيف الشرف في يوليو 1979.