ورد سؤال إلى الدكتور عطية لاشين، عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، من أحد المتابعين، يقول في رسالته: «قام شخص- لأن ذريته بنات- بكتابة كل ما يملك لبناته، فلما علم إخوته بذلك أوجعوه ضربًا حتى كاد أن يموت لولا أن الله سلم، كما قاموا بتهشيم سيارته فصارت حطامًا، فما حكم الشرع في ذلك؟».
حكم كتابة الأب جميع أملاكه لبناته
وأجاب الدكتور عطية لاشين قائلًا إن الله سبحانه وتعالى بيّن أحكام المواريث في القرآن الكريم بيانًا واضحًا، فقال تعالى: «فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ»، كما استشهد بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن تقسيم تركة أحد المتوفين، حين قال لمن استولى على تركة أخيه دون إعطاء زوجته وبناته حقوقهن: «أعط أمهما الثمن، وللبنات الثلثان، وما بقي فهو لك».
وأوضح عضو لجنة الفتوى بالأزهر أن علم المواريث يختلف عن سائر العلوم الشرعية؛ لأن أحكامه قطعية الثبوت والدلالة، إذ تولى الله سبحانه وتعالى بنفسه تفصيلها وبيانها بصورة تامة لا مجال للإضافة إليها أو الانتقاص منها وفقًا للأهواء والتقديرات البشرية.
وأضاف أن أحكام المواريث وضعت من لدن حكيم خبير عليم، ولذلك فإن أي تدخل بشري فيها بالزيادة أو النقصان، أو حرمان أي مستحق من حقه، يُعد اعتداءً على تشريع الله سبحانه وتعالى، مشيرًا إلى أن الله ختم آية المواريث الثانية ببيان جزاء الملتزم بأحكامه، فقال تعالى: «وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ».
وتابع حديثه: وفي المقابل، حذر الله من مخالفة أحكام المواريث والتعدي على حدوده، بقوله تعالى: «وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ».
نصيب البنات وإخوة المتوفى في الميراث
وأوضح الدكتور عطية لاشين، في رده على الواقعة، أن نصيب البنات هو الثلثان فرضًا بنص قرآني قطعي الثبوت والدلالة، بينما يكون الباقي لإخوة الرجل تعصيبًا، وذلك في حالة عدم وجود وارث آخر يحجبهم أو يؤثر في أنصبتهم.
وضرب مثالًا على ذلك بأن أصل المسألة إذا كان من 6 أسهم، فإن للبنات 4 أسهم تمثل ثلثي التركة، ويكون لإخوة المتوفى سهمان اثنان يمثلان الثلث الباقي.
وتطرق عضو لجنة الفتوى بالأزهر إلى التساؤل حول ما إذا كان تصرف الرجل في أمواله خلال حياته جائزًا، باعتبار أن أحكام الميراث لا تطبق إلا بعد الوفاة، موضحًا أن هناك قاعدة فقهية مقررة لدى أهل العلم، وهي قاعدة «الأمور بمقاصدها».
وأضاف أن تطبيق هذه القاعدة على الواقعة محل السؤال يجعل تصرف الرجل محرمًا، بحسب ما ذكره في الفتوى، لأن الظاهر من تصرفه هو الانتقام من إخوته وحرمانهم من الميراث، خاصة في ظل وجود خصومة بينهم في الحياة العملية.
وعن تصرف إخوة الرجل بالاعتداء عليه بالضرب وتكسير سيارته، أكد الدكتور عطية لاشين أن رد فعلهم مرفوض شرعًا، ولا يجوز أن يكون الوصول إلى الحق المستقبلي من خلال البلطجة والاعتداء الجسدي وإتلاف الممتلكات.
وشدد على أن ما ارتكبه الإخوة من ضرب أخيهم وتحطيم سيارته ليس تصرفًا مشروعًا، مؤكدًا أنه كان الأولى بهم تركه وشأنه، مع تفويض أمره إلى الله سبحانه وتعالى، بدلًا من اللجوء إلى العنف والاعتداء على النفس والأموال.
وأشار إلى أن نصيبهم المحتمل من تركة أخيهم، والمتمثل في الثلث وفقًا للتقسيم الوارد في الواقعة، لا يستحق أن يكون سببًا في ارتكاب هذه الاعتداءات، ولا يغير من حقيقة أن العنف والتخريب ليسا طريقًا مشروعًا للمطالبة بالحقوق.

