قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

فؤاد حداد.. شاعر الشعب الذي حول العامية إلى ملحمة وطنية وترك للفقراء صوتًا لا يغيب

الشاعر فؤاد حداد
الشاعر فؤاد حداد

لم يكن فؤاد حداد، الذي تحل اليوم ذكرى رحيله، مجرد شاعر يكتب بلسان الناس، بل كان صوتًا خرج من قلب الشوارع والحارات والمصانع والحقول، يحمل أحلام البسطاء وأوجاعهم، ويحول تفاصيل حياتهم اليومية إلى قصائد تنبض بالوطنية والإنسانية والمقاومة، اختار العامية المصرية لغة لإبداعه، لا باعتبارها لغة أقل شأنًا من الفصحى، وإنما بوصفها اللسان الأكثر قدرة على الوصول إلى وجدان الناس والتعبير عن قضاياهم، وعلى امتداد تجربته الشعرية، استطاع أن يؤسس عالمًا إبداعيًا خاصًا، جعل منه واحدًا من أبرز رواد شعر العامية في مصر والعالم العربي، حتى استحق لقب «والد الشعراء».

وفي ذكرى رحيله، التي توافق 1 نوفمبر1985، نستعيد سيرة شاعر لم تفصل بين الكلمة والموقف، ولم يتعامل مع الشعر باعتباره ترفًا أدبيًا، بل رسالة إنسانية ووطنية، ظل يحملها حتى رحيله، تاركًا وراءه ثروة شعرية تجاوزت 33 ديوانًا، إلى جانب الأغنيات والملاحم والقصائد والأعمال المسرحية والدرامية.

نشأة جمعت بين التراث العربي والثقافة الفرنسية

ولد فؤاد سليم أمين حداد في حي الظاهر بالقاهرة، ونشأ في أسرة ذات جذور شامية؛ فوالده سليم أمين حداد لبناني الأصل، ولد ببلدة عبية في لبنان عام 1885، وتخرج في الجامعة الأمريكية ببيروت متخصصًا في الرياضيات المالية، قبل أن ينتقل إلى القاهرة قبيل الحرب العالمية الأولى للعمل مدرسًا بكلية التجارة بجامعة فؤاد الأول، ويحصل على لقب البكوية، ويصبح صاحب العضوية رقم واحد بنقابة التجاريين عند تأسيسها، أما والدته، فهي قاهرية من عائلة ذات أصول شامية، واستقر أجدادها في مصر منذ سنوات طويلة.

تلقى فؤاد حداد تعليمه في مدرستي الفرير والليسيه الفرنسيتين، وهو ما أتاح له التعرف على الأدب الفرنسي وثقافته، بالتوازي مع شغفه المبكر بالتراث العربي والشعر القديم، الذي اكتشف عوالمه من خلال مكتبة والده العامرة بالكتب. وقد أسهم هذا التنوع الثقافي في تشكيل شخصيته الشعرية، فجمع بين جزالة التعبير العربي والانفتاح على الثقافات الأخرى، وبين الحس الشعبي والخيال الملحمي.

المعتقلات.. سنوات صنعت شاعرًا استثنائيًا

ارتبطت حياة فؤاد حداد بالتجربة السياسية والاعتقال، فقد تعرض للاعتقال للمرة الأولى عام 1953، وقضى نحو ثلاث سنوات خلف القضبان، وهي التجربة التي انعكست بوضوح في ديوانه الأول «أحرار وراء القضبان»، الذي صدر عام 1956، وكان يحمل في بدايته عنوان «افرجوا عن المسجونين السياسيين».

وفي العام نفسه أصدر ديوان «حنبني السد»، تعبيرًا عن إيمانه بالمشروعات الوطنية الكبرى وآمال البناء والتنمية.

لكن تجربة الاعتقال لم تنته عند هذا الحد؛ ففي عام 1959 اعتقل مرة أخرى لمدة خمس سنوات، وكانت هذه المرحلة من أكثر المحطات تأثيرًا في تكوينه الشعري، ففي المعتقل التقى مصريين من مختلف المحافظات والبيئات، من الإسكندرية إلى الصعيد والنوبة، وتعرف على تنوع الشخصية المصرية ولهجاتها وحكاياتها الشعبية.

ولعل ذلك يفسر عبارته الشهيرة: «والشكر للي سجنوني، وبنيل وطمي وعجنوني»، التي تكشف كيف استطاع تحويل تجربة القهر إلى معرفة إنسانية وثقافية، وكيف خرج من المعتقل أكثر التصاقًا بالناس وتفاصيل حياتهم.

وخلال تلك السنوات، اتجه إلى أشكال شعرية أكثر رمزية وثراءً، واستلهم عالم الحيوان والحكايات الشعبية، فكتب قصائد مثل «الدبة» و«البغبغان» و«الثعبان»، ضمن تجربة جعلت من الرقصات والحكايات مدخلًا للتعبير عن المجتمع والإنسان.

والد شعراء العامية.. شهادة صلاح جاهين

لم يكن حضور فؤاد حداد في المشهد الشعري مجرد حضور شاعر غزير الإنتاج، بل كان صاحب مشروع أسهم في تأسيس شكل جديد لشعر العامية المصرية.

وقد أدرك الشاعر الكبير صلاح جاهين مبكرًا قيمة هذا المشروع، واعترف بتأثير حداد العميق في تكوينه الشعري، مؤكدًا أن قراءته لبعض قصائده كانت السبب في اتخاذه قرار أن يصبح شاعرًا بالعامية.

وقال جاهين إنه عندما قرأ كلمات حداد عن السجن وقضبانه التي تحجب النور والشجر، بحث مبهورًا عن صاحبها، بعدما اكتشف أن العامية قادرة على التعبير عن تجربة شعرية مستقلة، لا تكتفي بمحاكاة الزجل التقليدي.

كما وصفه بأنه شاعر يمتلك زخمًا وفحولة شعرية وتدفقًا يشبه الشعراء الملحميين، وشبّهه بالشاعر الإغريقي هوميروس.

ومن هنا جاء وصف فؤاد حداد بـ«والد الشعراء»، فقد مثّل حلقة أساسية في الانتقال من الزجل إلى شعر العامية الحديث، وألهم أجيالًا من الشعراء، من بينهم صلاح جاهين وفؤاد قاعود والأبنودي وسيد حجاب وغيرهم.

«المسحراتي».. حكاية عشق جمعت حداد وسيد مكاوي

تظل تجربة فؤاد حداد مع الملحن والمطرب سيد مكاوي واحدة من أهم محطات الإبداع الفني في مصر، فقد نجح الاثنان في تقديم نموذج استثنائي للتكامل بين الكلمة واللحن والصوت.

ومن أبرز ثمار هذا التعاون برنامج «المسحراتي» الذي قدم عام 1964، حيث تحولت شخصية المسحراتي الشعبية إلى نافذة يطل منها الشاعر على أحوال المجتمع المصري، ويتناول من خلالها التاريخ والحياة اليومية والقضايا الوطنية والإنسانية، في قالب يجمع بين البساطة والعمق.

وتواصل التعاون بينهما في البرنامج الإذاعي «من نور الخيال وصنع الأجيال» عام 1969، الذي امتد إلى ثلاثين حلقة، وخرجت منه الأغنية الشهيرة «الأرض بتتكلم عربي»، التي أصبحت واحدة من أبرز الأغنيات المعبرة عن الهوية والانتماء.

كما قدم حداد أعمالًا أخرى تغنى بها كبار الفنانين، ومن بينها أغنيات ارتبطت بصوت محمد منير، مثل «الليلة يا سمرا» و«تعالى نلضم أسامينا»، فضلًا عن حضور كلماته في أعمال فنية لاحقة، من بينها فيلم «كف القمر» عام 2011.

فلسطين في قلب القصيدة.. والكلمة موقف ومقاومة

لم ينفصل شعر فؤاد حداد عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي احتلت مكانة واضحة في وجدانه وإبداعه، فقد عبر عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني من خلال ديوان «الحمل الفلسطيني»، وقصائد مثل «إلا فلسطين» و«مسحراتي القدس»، مؤكدًا أن الشعر يمكن أن يكون صوتًا للمقاومة والحرية والكرامة.

كما انحاز إلى حركات التحرر والمقاومة في العالم، وعبر عن تضامنه مع المقاومة الفيتنامية من خلال ترجمته مختارات من شعرائها في ديوان «قال التاريخ أنا شعر أسود» عام 1968.

وكان الفقراء والعمال والفلاحون حاضرون بقوة في مشروعه، إذ جعل من معاناتهم وقضاياهم مادة أساسية لقصائده، وعبر عن رفضه للاستغلال والبطالة والظلم الاجتماعي، انطلاقًا من قناعة مبكرة بأن الشعر ينبغي أن يساعد الناس على أن تصبح حياتهم أفضل.

إرث شعري يتجاوز الغياب

ترك فؤاد حداد مكتبة إبداعية ضخمة، شملت أكثر من 33 ديوانًا، صدر عدد كبير منها بعد رحيله، إلى جانب أعمال بارزة مثل «المسحراتي»، و«الشرط نور»، و«الشاطر حسن»، و«الحضرة الزكية»، و«أيام العجب والموت»، و«مصر المصرية بتغني»، و«لازم تعيش المقاومة»، و«الفن مملكة».

وامتد عطاؤه إلى الملاحم الشعبية وأشعار الأطفال والأغنيات والمواويل، كما خاض تجارب في الترجمة، فقدم أعمالًا من الشعر الفيتنامي، وترجم مسرحية «الغول» لبيتر فايس، ورواية «الأمير الصغير» لأنطوان دو سانت إكزوبيري، وحولها إلى عمل مسرحي غنائي بالعامية.