"يوكابد".. أم سيدنا موسى.. صاحبة نفس زكية.. صادقة تستلهم رشدها من ربها
تعرف أم سيدنا موسى عليه السلام باسم "يوكابد"، وزوجها هو عمران بن فاهت، كانت صاحبة نفس زكية، وقد تهيأت لحمل وولادة نبي من أنبياء الله الصالحين، وكانت مثلاً صادقاً لكل امرأة تريد أن تستلهم رشدها من ربها عز وجل، وتتلقى منه الأوامر والنواهي بالقبول والطاعة، وتتسلح بالثقة بفضله وحسن التوكل عليه، وتتوقع منه جل شأنه الرحمة في كل وقت.
عندما ولدت " يوكابد " موسى عليه السلام، وأبصرته طفلا ذكرا اضطرب قلبها، لأنها كانت تعلم أن فرعون قد أمر بقتل كل مولود في بني إسرائيل، لأن الكاهن أخبره أن ملك فرعون سيذهب على يد مولود في بني إسرائيل، وخافت يوكابد على أبنها الوليد، وخشيت أن يعلم جنود فرعون وعيونه بمولد أبنها فيأخذونه منها، ويقتلونه كما فعلوا مع كثير من الأطفال، واحتارت في أمرها.
وألهما الله تعالى أن تهيئ للوليد الصغير صندوقا، وأن تضعه فيه، ثم تلقى به في النيل، وترسل على الشاطئ أخته لتعقب أثره، وظلت أخت موسى تتعب أثر أخيها، حتى رأت إمرأة فرعون وهي تأمر خدمها أن يأتوا بالصندوق العائم في النيل، وعندما عرفت أن طفلا فيه، طلبت رؤيته فأحبته، ثم طلبت من زوجها فرعون أن يتبنيا الطفل ليكون أبنا لهما.
بينما كانت يوكابد في قلق شديد على مصير ابنها، وكانت في انتظار ابنتها لتخبرها ماذا حدث للطفل، وعادت أخت موسى إلى أمها لتخبرها بما حدث، فازداد قلق الأم على وليدها الذي وقع في أيدي آل فرعون، وحاولت زوجة فرعون أن تجعل المراضع يرضعن الطفل ، ولكنه عاف المراضع ، وعندئذ انبرى " هامان " ، وأشار على أخت موسى قائلا: إن هذه الفتاة تعرفه، فخذوها حتى نعرف منها شيئا.. وقالت الفتاة: إنما أردت أن أكون للملك من الناصحين، وأني أعرف مرضعة تستطيع أن ترضع الطفل ، فأمرها فرعون أن تأتي بها.
وذهبت الفتاة إلى أمها وأخبرتها بما حدث، فأسرعت يوكابد إلى فرعون، وأخذت طفلها لترضعه، فالتقم ثديها من دون المرضعات، فدهش فرعون ، وسألها : من أنت ؟ .. فقالت : إنني امرأة طيبة الريح وطيبة اللبن لا أوتي بصبي إلا قبلني .
وعندئذ طلب منها فرعون أن تتكفل بالطفل ، وأعطاها رزقا على ذلك ، فرجعت بوليدها إلى بيتها ، والسعادة تغمر جوانب قلبها ، فقد كافأها الله تعالى على إيمانها وصبرها ، وأتمت يوكابد رضاع أبنها موسى ، ثم أرسلته إلى القصر الفرعوني.
وذكر قصة أم موسى في أكثر من موضع في القرآن الكريم ، حيث يقول الله عز وجل: " وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُم مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَم وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنا رَادوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِين فالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِن فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِين، وَقَالَتِ امْرَأَة فِرْعَوْنَ قُرة عَيْنٍ لي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُم مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن ربَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُون وَحَرمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُون فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمهِ كَيْ تَقَر عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَن وَعْدَ اللهِ حَق وَلَكِن أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون" (القصص 7:13).