في ذكرى استشهاد «أسد الله».. قويت شوكة المسلمين بإسلامه.. وبعثه الرسول في أول «سرية»
تحل اليوم ذكرى استشهاد أسد الله وسيد الشهداء بغزوة أحد، فهو من صحابة رسول الله، وعمُّه وأخوه من الرضاعة وأحد وزرائه الأربعة عشر، وخير أعمامه، هو حمزة بن عبدالمطلب الهاشمي القرشي، وهو أسنُّ من رسولِ الله بسنتين، لُقِّب بسيد الشهداء، وأسد الله وأسد رسوله، ويكنى أبا عمارة، وقيل: أبو يعلى.
نسبه:
هو شقيق صفية بنت عبد المطلب أم الزبير بن العوام، وهو عم الرسول محمد وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب، فقد أرضعت حمزة بن عبد المطلب، ثم محمداً، ثم أبا سلمة عبد الله المخزومي القرشي، فكانوا جميعاً إخوة من الرضاعة وكان حمزةُ أسنَّ من الرسولِ بسنتين، وقيل: بأربع سنين، والأول أصح، وأمه: «هالة بنت وهيب بن عبد مناف وهي ابنة عم آمنة بنت وهب أم الرسول محمد، وهو خير أعمام الرسول حيث قال –صلى الله عليه وسلم-: «خَيْرُ إِخْوَتِي عَلِيٌّ، وَخَيْرُ أَعْمَامِي حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا».
حياته في الجاهلية:
تربى حمزة بن عبد المطلب في كنف والده عبد المطلب بن هاشم الذي كان سيد قريش وبني هاشم، ونشأ مع تِربه وابن أخيه عبد الله وأخيه من الرضاعة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وعاشا ينهلان من الشمائل والقيم العربية الأصيلة، من بطولة وشجاعة وكرم، وقد كان حمزة في الجاهلية فتىً شجاعاً كريماً سمحاً، وكان أشدَّ فتى في قريش وأعزَّهم شكيمةً، فقد شهد حرب الفجار التي وقعت بعد عام الفيل 20 سنة، وتعد هذه المعركة أولَ تدريب عملي له حيث مارس التدريب على استعمال السلاح، وتحمل أعباء القتال ومشقات الحروب.
إسلامه:
أشهر إسلامه في مكة وكان ذلك فى السنة 2 من بعثة الرسول، وكان سبب إسلامه أن أبا جهل اعترض الرسولَ عند جبل الصفا، فآذاه وشتمه ونال منه ما يكره، فلم يكلمه الرسول، ومولاةٌ لعبد الله بن جدعان التيمي القرشي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك، ثم انصرف عنه، فعمد إلى نادٍ لقريش عند الكعبة فجلس معهم.
ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحاً قوسه، وكان إذا فعل ذلك لا يمر على نادٍ من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان يومئذ مشركاً على دين قومه، فلما مر بالمولاة، وقد قام الرسولُ فرجع إلى بيته، قالت له: «يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابنَ أخيك من أبي الحكم آنفاً، وجده ههنا فآذاه وشتمه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمدٌ»، فخرج سريعاً، ولما دخل المسجد نظر إلي أبى جهل جالساً في القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجَّه شجةً منكرةً، ثم قال: «أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فرُدَّ ذلك علي إن استطعت».
وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه، فقالوا: «ما تراك يا حمزة إلا قد صبأت»، فقال حمزة: «وما يمنعني منه وقد استبان لي منه ذلك، وأنا أشهد أنه رسولُ الله، وأن الذي يقول حق، فوالله لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين»، فقال أبو جهل: «دعوا أبا عمارة، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سباً قبيحاً»، وتم حمزة على إسلامه وعلى ما بايع عليه رسولَ الله، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن الرسول قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.
ثم رجع حمزة إلى بيته، فأتاه الشيطان فقال: «أنت سيد قريش، اتبعت هذا الصابىء وتركت دين آبائك، لَلموتُ كان خيراً لك مما صنعت»، فأقبل على حمزة بثُّه فقال: «ما صنعتُ اللهم إن كان رشداً فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعتُ فيه مخرجاً»، فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان وتزيينه حتى أصبح، فغدا على الرسول فقال: «يا ابن أخي، إني قد وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري ما هو، أرشد هو أم غي شديد؟ فحدثني حديثاً فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدثني»، فأقبل الرسول محمد فذكّره ووعّظه وخوّفه وبشّره، فألقى الله تعالى في نفسه الإيمان بما قاله –صلى الله عليه وسلم-، فقال: «أشهد أنك الصادقُ، شهادة الصدق، فأظهر يا ابن أخي دينَك، فوالله ما أُحبُّ أنَّ لي ما أظلته السماءُ وأني على ديني الأول».
هجرته:
لما ازداد أذى قريش على المسلمين، ولم يَسلم من أذاهم الأقوياءُ ولا الضعفاءُ، أذن لهم الرسولُ بالهجرة إلى المدينة المنورة، فهاجروا إليها، وهاجر حمزة مع من هاجر من المسلمين إليها قبيل هجرة الرسولِ بوقت قصير، ونزل حمزة وزيد بن حارثة الكلبي، وغيرهم من الصحابة، فنزلوا على كلثوم بن هدم أخي بني عمرو بن عوف من الخزرج بقباء، ويقال: نزلوا على سعد بن خيثمة، ويقال: نزل سيدنا حمزة على أسعد بن زرارة النجاري الخزرجي.
وبعد هجرة الرسولِ إلى المدينة المنورة، آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، وقال: «تآخوا في الله أخوين أخوين»، ثم أخذ الرسول بيد علي بن أبي طالب، فقال: «هذا أخي»، فكان الرسول وعلي بن أبي طالب أخوين، وكان حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة الكلبي مولى الرسولِ أخوين، وإليه أوصى حمزةُ يوم أحد حين حضره القتال إن حدث به حادث الموت.
سرية حمزة إلى سيف البحر:
كان أولُ لواء عقده الرسولُ محمدٌ لحمزة بن عبد المطلب، إذ بعثه في سرية إلى سيف البحر من أرض جهينة، وقيل: إن أول لواء عقده لعبيدة بن الحارث بن المطلب، قال ابن إسحاق: «فكانت رايةُ عبيدة بن الحارث -فيما بلغني- أولَ راية عقدها رسول الله في الإسلام لأحد من المسلمين».
وبعث الرسولُ سيدنا حمزةَ –رضى الله عنه- إلى سيف البحر من ناحية العيص، في 30 راكباً من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، فلقي أبا جهل بنَ هشام بذلك الساحل في 300 راكب من أهل مكة، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان موادعاً للفريقين جميعاً، فانصرف بعضُ القوم عن بعض، ولم يكن بينهم قتال، وكان الذي يحمل لواء حمزة أبا مرثد الغنوي، وقال بعض الرواة: «كانت رايةُ حمزة أولَ راية عقدها رسول الله لأحد من المسلمين».
جهاده في بدر:
شهد حمزة بن عبد المطلب بدراً، وأبلى فيها بلاءً عظيماً مشهوراً، وكان –رضى الله عنه- هو الذي ابتدأ قتال المشركين في غزوة بدر، فقد خرج رجل من جيش قريش هو الأسود بن عبد الأسد المخزومي القرشي فقال: «أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه»، فلما خرج، خرج إليه حمزة، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد أن يبر يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.
جهاده في أحد:
شهد حمزة بن عبد المطلب غزوة أحد، فقُتل بها يوم السبت في النصف من شوال، وكان قَتَلَ من المشركين قبل أن يُقتل 31 منهم، وقاتل حمزةُ حتى قَتَلَ أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء وكذلك قتل عثمان بن أبي طلحة وهو حامل اللواء.
مقتله:
وكان مقتل حمزة فى النصف من شهر شوال من سنة 3هـ، فى غزوة أحد، وكان عمره 57 سنة، وقيل: كان عمره 59 سنة، والذي قتله هو وحشي بن حرب الحبشي غلامُ جبير بن مطعم، ومثَّل به المشركون، وبقرت هند بنت عتبة بطنَه فأخرجت كبده، فجعلت تلوكها فلم تسغها فلفظتها، فقال الرسولُ محمدٌ: «لو دخل بطنها لم تمسها النار»، وخرج الرسولُ يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي قد مُثِّل به، فلم ير منظراً كان أوجع لقلبه منه فقال: «رحمك الله، أي عم، فلقد كنت وصولاً للرحم فعولاً للخيرات» ودفن حمزة وابن أخته عبد الله بن جحش في قبر واحد.