أروعها مجموعة زوجة الملك "سنفرو"..أثاث فرعونى عصرى جداً
لاحظ علماء الآثار الفرعونية أن المصرى القديم كان يهتم بإعداد مكان دفنه أكثر من اهتمامه بإعداد بيته، لأن الموت بالنسبة له لم يكن سوى حياة ممتدة للأبد، لهذا زودت المقابر بالمقاعد والمناضد والأسرة والصناديق المختلفة الأحجام والأشكال.
وقد تضافر الجو الجاف مع جهودهم فى حماية محتويات المكان فى الحفاظ على كثير من قطع الأثاث الفرعونية وحفظتها من التلف إلى حد كبير حتى يومنا هذا، لقد عثر خبراء الآثار على الكثير من الأثاث والأغراض المنزلية خلال فترة حكم الأسر المصرية القديمة (3100 – 2700ق.م) مما يدل على مدى ما تمتعت به الطبقة النيلية من رفاهية وثراء، كما يكتشف المتتبع لعالم الأثاث والأغراض المنزلية لدى أبناء هذه الطبقة الكثير مما يدعو للدهشة.
فمن أقدم قطع الأثاث التى وجدت مجموعة من أرجل المقاعد صنعت من العاج المنحوت على شكل أرجل ثيران، مما يدل على أن تلك الصيحة التى ميزت طراز الباروك، حيث استخدام أرجل الأسود والحيوانات لم تكن سابقة لا وجود لها من قبل.
مجموعة الملكة
وتعد مجموعة الأثاث الخاصة بزوجة الملك سنفرو أول ملوك الأسرة الرابعة ووالدة الملك خوفو مشيد الهرم الأكبر من أروع المجموعات التى وجدت بأكملها فى منطقة الأهرامات بالجيزة، مما جعل المتحف المصرى يفرد لها مكانا مختارا بإحدى قاعاته بعد أن تم ترميمها وجعلها صالحة للعرض.
وتضم المجموعة مقعدا أنيقا بمساند ومحفة، وفراش من طراز رفيع له مسند للقدمين، ومن الملفت أن الفراش زود بمظلة لتوفير نوع من الخصوصية تطوى عند عدم الحاجة إليها لتوضع فى صندوق طويل خاص بها، إلى جانب ذلكتضم هذه المجموعة عددا من الصناديق دقيقة الصنع لحفظ أدوات التجميل والحلى، والعجيب هنا أن معظم قطع هذه المجموعة تبدو عصرية بمقياسنا اليوم.
مجموعة توت عنج آمون
ولعل من أشهر مجموعات الأثاث التى اكتشفت فى العصر الحديث، المجموعة الكاملة للملك الصغير (توت عنج آمون) التى تعود شهرتها لكونها نجت من السلب والنهب على مر العصور وليس لكونها أعظم المجموعات على الرغم من روعتها، ويعود تاريخ المجموعة إلى الفترة من 1361 إلى 1352 ق. م أى بعد مجموعة زوجة الملك سنفرو بأكثر من ألف عام إلا أنها تماثلها فى عدة جوانب ومن بينها النزعة التقليدية والتمسك بالقديم.
وتتميز مجموعة توت عنج آمون بالتوع فى أشكال وأسلوب تنفيذ الزخارف، فهناك مقعد ذو مسندين يعتبر التطور الطبيعى لكرسى الملكة ومقعد آخر مماثل بدون مساند بالإضافة إلى مقعد خاص بأداء الشعائر الدينية مختلف الطراز حيث نلاحظ أن أرجله على شكل حرف (×) تحمل قاعدة ذات زخارف عميقة من خشب الأبنوس المطعم بقطع غير متماثلة من العاج تحاكى جلد الماعز.
ويعتبر هذا المعقد نموذجا لبدايات تطور فن "تطعيم الأثاث" التى سادت الحضارة المصرية بعد ذلك على مر العصور (التعطيم بالعاج والأصداف والمعادن وأصداف السلاحف وغيرها)، ولهذا المقعد مسند منفصل للظهر ومسند للقدمين من نفس الطراز، مزين بتطعيم عاجى يمثل الأعداء، التسعة التقليديين لمصر.
ويلاحظ أن استخدام خشب الأبنوس فى صناعة الكراسى الشعائرية لدى المصريى القديم لم يكن فقط لمتانته وإنما لكونه ثمينا، وأيضا لأنه يصلح لعملية التطعيم التى ولع بها صانعو الأثاث فى ذلك العصر، وساعدتهم على اختيار بعض الرموز التى أكثروا فى استخدامها ومن بينها الأسرى المرسومون بالعاج تحت قدمى الملك على مسند القدمين.
كما تضم مجموعة توت عنج آمون أيضا مقاعد ثابتة وأخرى قابلة للطى، بالإضافة إلى حوالى ثلاثين خزانة مختلفة الأنواع والأحجام تبعا للغرض المخصص لها، فهناك صناديق صغيرة للحلى والمجوهرات وأخرى أكبر لحفظ أغطية الفراش.
كما قسمت الخزانة من الداخل تبعا لعجم الأغراض التى تستخدم فى حفظها ويلاحظ أن بعض تلك الصناديق ذات أغطية محدبة للخارج، كما احتوت بعض الخزانات على أدراج مما يدل على أن المصرى القديم اكتشف مبكرا الأدراج وفوائدها ولكنه لسبب ما لم يستعملها كثيرا إلا فى بعض علب اللعب وصناديق أدوات الزينة.
لعل من الطريف الإشارة إلى أن سرير (توت عنج آمون) كان مصمما بحيث يسمح بتجديد دورة الهواء باستمرار حول جدس النائم فى الفراش، فيما يعتبر أول تكييف طبيعى لفراش على مستوى الحضارات الإنسانية كلها، والأكثر طرافة أن أحد الأسرة الأخرى كان مصمما بحيث يمكن طيه ليستخدم فى الرحلات والأسفار، ويعد هذا السرير نموذجا سابقا بآلاف السنين لأسرة المعسكرات التى سادت فى عهد (نابليون) وهو ما نعرفه اليوم بالسرير (السفرى) وللنوم على هذه الأسرة استخدم المصرى مساند جافة للرأس بدلا من الوسائد الناعمة وقد تم العثور على مسند من المرمر لرأس الملك توت عنج آمون ضمن مجموعته الشهيرة.
هذه المجموعات المختلفة من الأثاث المنزلى التى عثر عليها من العصر الفرعونى لا تدل فقط على مستوى الجمال والدقة والرقى الذى تميز به الصانع فى تلك الفترة، وإنما تؤكد أيضا معرفته لكافة أنواع أدوات النجارة التى مكنته من إنجاز هذه النماذج المبهرة بما تحتويه من رسومات وأعمال تطعيم خاصة تلك القطع التى استخدم فيها المفصلات التى برع فى استخدامها استخدامات منفردة.