قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

تعديل الدستور في دول العالم المتقدم.. أمريكا لجأت له 27 مرة.. فرنسا أصدرت 15 دستورا عدلت آخرها 16 مرة وبعض الدول تعدله سنويا

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

الدستور تعبير عن إرادة الشعب ولا يتمتع بشهادة دائمة ومستمرة بالكمال والإحكام
فرنسا عدلت دستورها لآخر مرة عام 2008 لتوسيع صلاحيات الرئيس
الهند والمكسيك والبرازيل تعدل دساتيرها بشكل سنوي تقريبًا
ألمانيا عدلت دستورها 36 مرة خلال 68 سنة
الدستور النرويجي خضع للتعديل 53 مرة


من المفترض بالدستور - أي دستور - أن يكون ترجمة أمينة وتعبيرًا عن الاتجاهات السياسية السائدة في الجماعة السياسية، المصطلح على تسميتها بالشعب أو الأمة.

ومن ثم فمهما بلغ في العناية بالتجهيز لإصداره وإحكام صياغته وتفصيل أحكامه ومبادئه فإن مسايرة التطور وما يقع من تغييرات سياسية واقتصادية يفرضها الواقع السياسي، ومواكبة التغييرات الاجتماعية والسياسية، وضرورة الاستجابة إلى دواعي التغيير منعًا للعنف السياسي، كل ذلك يقتضي الإبقاء على إمكانية تعديل الدساتير حسب مقتضى تطور الظروف السياسية للدولة، حرصًا على كيانها ونظامها السياسي والحقوق والحريات العامة فيها.

ولا يجب أن يُفهم من وصف الدستور بأنه فوق القوانين والمنظم لها والمؤسس لشكل الدولة والعلاقة بين سلطاتها والعلاقة بين الدولة والأفراد، لا يجب أن يُفهم من ذلك أن الدستور يتمتع بشهادة دائمة ومستمرة بالكمال والإحكام، رغم أن ذلك قد يصدق وقت صدوره باعتباره أفضل ما توصل إليه مشرعوه (الذين هم بشر في نهاية المطاف)، لكن يحدث بين حين وآخر أن تستجد مستلزمات التغيير وتظهر من ثم ضرورة الاستجابة إلى هذه المستلزمات، ذلك ان موقفًا أو تطورًا قد ينشأ دون أن يكون واضعو الدساتير قد احتاطوا له أو صاغوا من المواد ما يكفل معالجته بإحكام.

وفي هذا الصدد، أدركت دول العالم كافة، بما فيها وفي مقدمتها القوى الكبرى ودول العالم المتقدم أن احترام الدستور في نفوس الأفراد وتوقيرهم له وثباته واستقراره وقدرته على على مواكبة التغيير إنما يتوقف على مشيئة الجماعة السياسية أو الشعب، وعوامل التطور وضرورة الاستجابة إليها.

والفقهاء الدستوريون، في أي دولة كانت، يعلمون بيقين أن التطور والتغيير سنة طبيعية، ولا يستطيع أي مشرع دستوري أو قانوني أن يسبق الزمن ويضع مقاييس معينة للتنبؤ بما قد يستجد من تطورات، ومن ثم فإن تطور الدساتير وحتى القوانين العادية هو مما لا مفر منه، طالما أن الجماعة السياسية التي ينظم الدستور شئونها وحاجاتها في تطور مستمر.

وعمليًا على أرض الواقع، ومن واقع الممارسة التاريخية، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الدولة الموصوفة بالقوة العظمى الأولى في العالم وزعيمة العالم الحر إلى آخر ذلك من أوصاف، قد أدخلت عمليًا 18 تعديلًا على دستورها الذي أصبح نافذ المفعول عام 1789، بل إن العدد الرسمي لتعديلات الدستور الأمريكي هو 27 مرة، لأن التعديل الأول عام 1791 أضاف 10 مواد دفعة واحدة تُعد كل مادة منها تعديلًا مستقلًا.

وفي فرنسا، الأم التاريخية للحريات والحقوق المدنية والسياسية، عُدل الدستور عام 2008 كي يمنح صلاحيات أكبر لمنصب رئيس الجمهورية، تنفيذًا لوعد انتخابي قطعه الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي بتعديل الدستور من أجل "تحسين وتحديث إداء المؤسسات الدستورية".

ومنذ الثورة الفرنسية، وضعت فرنسا 15 دستورًا، شهد بعضها تعديلات مثل دستور 1852 (عُدل 6 مرات)، ودستور 1875 (عدل 3 مرات)، ودستور 1942 (عدل 3 مرات)، ويُعد دستور الجمهورية الخامسة والأخير الذي وضعته فرنسا أكثر دساتير التاريخ الفرنسي تعديًا، حيث عُدل 16 مرة كان آخرها تعديل عام 2008 المذكور آنفًا.

وفي الصين، التي صار البعض يعتبرها ثاني أقوى قوة عظمى في العالم، والمرشحة بقوة لاحتلال صدارة القوى العظمى خلال عقود، عُدل الدستور خلال شهر مارس من العام الماضي 2018، لرفع القيد الخاص بتحديد عدد ولايات الرئيس ونائبه بولايتين مدة كل منهما 5 سنوات، بحيث يحق للرئيس ترشيح نفسه لعدد مفتوح من الفترات الرئاسية.

ونقلت صحيفة "الشعب" الصينية عن الرئيس الصيني سي جين بينج قوله "فقط عن طريق التكيف المستمر مع الأوضاع الجديدة يستطيع الدستور أن تكون له حيوية دائمة."

وقال شن تشون ياو، رئيس لجنة الشئون التشريعية للجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، إن التعديل الدستوري كان ضروريًا وجيدًا من أجل استمرار السلام والاستقرار في الصين.

وبحسب وكالة "شينخوا" الصينية، اتفق مشرعون ومستشارون سياسيون ومواطنون صينيون على أن التعديل المرتقب يواكب العصر ومتطلبات تنمية الدولة وطموحات الحزب الشيوعي الصيني والشعب.

ووضعت جمهورية الصين الشعبية دستورها الأول عام 1954. واُعتمد الدستور الحالي في 1982 وعُدل 6 مرات في أعوام 1988 و1993 و1999 و2004 و2018.

وتتباين الدول في مدى صعوبة تعديل دساتيرها بين دول تتبنى دساتير جامدة يتطلب تعديلها إجراءات خاصة يصعب تكرارها بإفراط، ودول أخرى تتبنى دساتير مرنة حرصًا على سرعة ومواجهة المتغيرات، ومن الدول التي تتبنى هذا النوع الأخير الهند والمكسيك والبرازيل، التي تعدل كل منها دستورها كل عام تقريبًا.

على أنه لا تكاد توجد دولة في العالم يخلو تاريخها الدستوري من وقائع تعديل الدستور أو تعليق العمل به أو حتى إلغائه بالكلية وإصدار دستور جديد، وفيما يلي نماذج لكبرى دول العالم التي لم يمنعها جمود الدستور وحرمته النسبية من تعديله عند اقتضاء الضرورة وظهور الحاجة وإجماع الجماعة السياسية على صلاح التعديلات لتنظيم شئونها:

منذ صدور آخر دستور لألمانيا عام 1949، تم تعديله 36 مرة، كان آخرها عام 2017.

وفي إيطاليا صدر أول دستور عام 1848، ثم صدر دستور جديد عام 1861، ثم صدر الدستور الثالث والأخير عام 1947، وخضع هذا الأخير للتعديل 15 مرة آخرها عام 2012.

وفي هولندا، صدرت 7 دساتير، أولها عام 1795 وآخرها عام 1848، لكن الأخير خضع للتعديل 21 مرة آخرها عام 2008.

ومنذ صدور الدستور النرويجي عام 1814، تم تعديله 53 مرة كان آخرها عام 2018.

وفي روسيا (بأطوارها التاريخية المختلفة؛ القيصرية ثم الاتحاد السوفييتي ثم الاتحاد الروسي)، صدرت 6 دساتير أولها عام 1905، ثم أعوام 1918 و1924 و1936 و1977 و1993، وخضع بعضها للتعديل مثل دستور 1924 (عدل 5 مرات)، ودستور 1936 (عدل 30 مرة)، ودستور 1977 (عدل 6 مرات)، واخيرًا دستور 1993 (عدل 4 مرات آخرها عام 2014).

وفي البرازيل صدرت 8 دساتير منذ عام 1824، وآخرها الدستور الصادر عام 1988، وقد خضع بعضها للتعديل، وأبرزها الدستور الأخير الذي يتم تعديله سنويًا دون توقف منذ عام 1992.



وفي جنوب إفريقيا صدرت 5 دساتير، أولها عام 1909، ثم أعوام 1961 و1983 و1993 و1996، خضعت كلها للتعديل عدة مرات باستثناء دستور 1983، وقد خضع الدستور الأخير الصادر في 1996 للتعديل 11 مرة آخرها عام 2012.

وفي أستراليا صدر دستور واحد عام 1901، ولكنه خضع للتعديل 8 مرات آخرها عام 1985.

وختامًا لزم التشديد على أن ما أدركته معظم - إن لم يكن كل - دول العالم هو أن تعديل أي دستور لا يتوقف على كونه مرنًا أو جامدًا، وإنما على اقتناع الجماعة السياسية به ومدى الحاجة إلى التعديل وفقًا للتطورات التي تمر بها وضرورة الاستجابة لمقتضيات العصر والظرف السائد، فغذا ما استشعرت الجماعة حاجتها إلى تعديل دستورها أقدمت عليه، حتى لو تضمن من النصوص ما يحظر هذا التعديل، ومن ثم فالاستجابة إلى حاجة التعديل أقرب إلى الحرص على الدولة وعلى الدستور ذاته.