تحدثنا في المقال السابق عن فن حل الأزمة الأمنية الداخلية عن طريق الدستور المدني الذي يساوي بين جميع المواطنين مسلمين وغير مسلمين، ثم الضرب بيد من حديد لكل من تسول له نفسه زعزعة أمن واستقرار الأوطان ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود وهم مواطنون داخل دولة الإسلام لهم حقوق وعليهم واجبات ولكنهم زعزعوا أمن واستقرار الأوطان فعاقبهم النبي عليه السلام عقابا يتفق مع جريمتهم كما يلي :
أولا : يهود بني قينقاع : ـ الذي يمكن استنتاجه من مجموع الروايات أن يهود بني قينقاع أول يهود حاربوا الرسول عليه الصلاة والسلام وأعلنوا العداء والمحادة لله ولرسوله ، فكان من أعمال اليهود وخاصة بني قينقاع السعي بين المسلمين بقصد الفتنة، وفي ذلك تَرِدُ قصة شاس بن قيس ومحاولته القيام بفتنة طائفية بين الأوس والخزرج وتذكيرهم بحرب بعاث وكادت تحدث مقتلة عظيمة بين المسلمين بسبب هذا اليهودي من بني قينقاع ، إذ تظهر الدراسة النقدية للقصة أن لها أصلًا بمجموع طرقها.
ومن أبلغ الأدلة على موقف بني قينقاع المعادي؛ موقفهم من عبد الله بن سلام، وانقلابهم عليه، واتهامه لمجرد إسلامه، بعد أن كانوا يجلّونه ويقدمونه.
ثم ننتقل إلى جريمة الخيانة العظمى التي ارتكبها يهود بني قينقاع الممثلة في وجود صلات تجسس لليهود من بني قينقاع على المسلمين، فقد ثبتت مراسلات بين قريش واليهود من بني قينقاع بعد غزوة بدر ينقلون فيها أسرار الدولة ، ويخبرون قريشا أنهم إذا أرادوا النصر على المسلمين فلابد من تحالفهم مع بني قينقاع ، وأن سبب هزيمتهم هو عدم الاستعانة بهم ، وبعد تأكد النبي عليه السلام من هذه المراسلات التي تمثل جريمة الخيانة العظمى للدولة ‘ بنقل أسرارها ‘ والتحالف مع أعدائها ‘ ذهب إليهم النبي عليه السلام ، وجمعهم في سوق بني قينقاع وخطب فيهم فقد أخرج أبو داود في سننه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لَمّا أصاب رسولُ الله عليه الصلاة والسلام قريشًا يوم بدر، وقدم المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينـقاع، فقال: « يا معشر يهود، أسلِموا، قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا »، قالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنّا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد، قد كان لكم آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم رأى العين، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار ﴾ [ آل عمران: 12 - 13 ].
فالرواية هذه وإن كانت لا تفصل جريمة الخيانة العظمى التي ارتكبوها والتي وردت في روايات أخرى لكنها تظهر إعلان عداوتهم لرسول الله وتحديهم له عندما قالوا: « لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش ... » الخ، والأمر الطبيعي أنه لا بد من سبب وجيه جعل النبي عليه السلام يتوجه إلى بني قينقاع من يهود دون غيرهم بهذا الخطاب، فإذن قد أظهروا نوايا الغدر والعداوة والتجسس والتحالف مع أعداء الدولة من الدول المجاورة بعد غزوة بدر مما لا يمكن معه مشاركتهم وإغفال موقفهم، وأنه لا بد من علاج حاسم وسريع ومكافئ.
وهنا سؤال يطرح نفسه لماذا بنو قينقاع أولًا ؟
إننا إذا عرفنا ما امتاز بنو قينقاع به؛ عرفنا لماذا كان موقفهم هذا ؟ ولماذا عاجلهم النبي؟
إنهم اغتروا بأنفسهم أنهم أشجع يهود، كما وصفوا في كتب السيرة ، واعتقدوا أن قريشا ستهزم رسول الله ، ولذا وقعوا على دستور المدينة انتظارا لهذه الهزيمة ولكن لما حدث العكس في بدر ، ظهروا على حقيقتهم فلم يخلصوا لدولتهم بل تحالفوا مع أعدائها ، فانطلق اليهم النبي عليه السلام داعيا اياهم الى الدخول في الإسلام طواعية، ليكون ذلك سببًا في ردهم عن أعمالهم العدائية ضد المسلمين، ومن ثَمَّ سببًا في حفظهم وأمنهم، بعد أن أظهروا من العداء ما يوجب حربهم وإخراجهم ، أو الى السلام مع الدولة بعدم التحالف مع أعدائها ، فالإسلام يقبل التعايش السلمي معهم، ولم يكن النبي عليه السلام يشترط على أحد من يهود أن يدخل في الإسلام مقابل بقائه في المدينة، بل إن نصوص المعاهدة تؤكد إعطاء اليهود حريتهم الدينية في المدينة المنورة ، فهم مواطنون لهم جميع الحقوق.
وما يصوره بعض المستشرقين وعلى رأسهم ( اسرايل ولفنسون ) أن أسباب جلاء بني قينقاع مادية، تتصل بحال المسلمين، وما كانوا عليه من فقر وحاجة، وما كان عليه يهود بني قينقاع من غنى و ثراء كذب وتضليل فهم خونة ارتكبوا جريمة الخيانة العظمى ، وبعد تحذير النبي عليه الصلاة والسلام لهم على مرأى ومسمع من الجميع في سوق بني قينقاع لم يتراجعوا عن الخيانة فأنزل الله عز وجل قوله تعالى ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ) وهذه عظمة الإسلام أن يعلم الرسول الخونة أنهم خانوا الدولة ‘ وأنهم بذلك خرجوا على دستور وقانون الدولة ‘ وأنه سيوقف العمل بالدستور الذي يكفل لهم الحقوق والواجبات لارتكابهم جريمة الخيانة والتجسس والتحالف مع قريش ، وذلك لمحاولة رجوعهم عن خيانتهم وقولهم لا نريد التمسك بالمعاهدة وسنعود عن هذا ، ولكنهم رفضوا ‘ بل ارتكبوا جريمة أخيرة وهي قتل مسلم حاول الدفاع عن مسلمة كشفت عورتها في سوقهم بني قينقاع ‘ وعلى فرض صحة هذه الرواية المشهورة جدا في كتب السيرة ، الا انني أرفض أن تكون هي السبب الرئيس بل السبب الرئيس في إجلاء يهود بني قينقاع هو الخيانة العظمى بالتجسس والتحالف مع الدولة العدو لدولة الإسلام وهي قريش‘ وخرق بنود الدستور المدني ، فحذرهم النبي عليه السلام ‘ فتمادوا بل قتلوا مسلما فكانت نهايتهم بأن حاصرهم النبي عليه السلام خمسة عشر يوما ‘ فخافوا وأعلنوا الاستسلام فأخرجهم النبي من دولة الإسلام ، وأذن لهم بأخذ أموالهم فذهب بعضهم إلى خيبر وكثير منهم إلى بلاد الشام‘ ولم يقتل أحد منهم عليه الصلاة والسلام.
فما يدعيه البعض من أن هذا إهدار لحقوق المواطنة لليهود من النبي عليه السلام أو أن هذا تطهير عرقي فهذا كذب وافتراء ، بل أخرج النبي بني قينقاع آمنين حاملين أموالهم إلى مكان خارج نطاق الدولة لارتكابهم جريمة الخيانة العظمى ، فلم يفعل بهم ما فعله هتلر والنازيون ، وما فعله بهم الأوروبيون نتيجة خيانتهم الدائمة لدولهم التي يقيمون فيها ، وبهذا ضرب النبي بيد من حديد لكل من يزرع الفتنة الطائفية ‘ أو يتجسس أو يتحالف مع أعداء الوطن فيكون جزاؤه من جنس عمله الا وهو الطرد من الأوطان.
أما بقية اليهود فظلوا كما هم من يهود بني النضير وبني قريظة حيث لم يرتكبوا شيئا حتى الآن يجعل رئيس الدولة يتخذ ضدهم اجراء فهم مواطنون صلحاء حتى يثبت العكس وهذا ما سنتحدث عنه في المقالات القادمة ان شاء الله تعالى.