ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

حمادة شعبان يكتب : عظمة الأفعال وأنقاض الأقوال

الأربعاء 07/أغسطس/2019 - 05:25 م
صدى البلد
"ﻭﻗﻒ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﻳﻨﻈﺮﻭﻥ ﺟﻤﻴﻌًﺎﻛﻴﻒ ﺃﺑﻨﻲ ﻗﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﻤﺠﺪِ ﻭﺣﺪﻱ،ﻭﺑﻨﺎﺓ ﺍﻷ‌ﻫﺮﺍﻡ ﻓﻲ ﺳﺎﻟﻒ ﺍﻟﺪﻫﺮﻛﻔﻮﻧﻲ ﺍﻟﻜﻼ‌ﻡَ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺘﺤﺪﻱ،ﺃﻧﺎ ﺗﺎﺝ ﺍﻟﻌﻼ‌ﺀ ﻓﻲ ﻣﻔﺮﻕ ﺍﻟﺸﺮﻕ ﻭﺩﺭﺍﺗﻪ ﻓﺮﺍﺋﺪ ﻋﻘﺪﻱ". كلمات فخر واعتزاز جميلة كتبها شاعر النيل "حافظ إبراهيم" على لسان مصرنا الحبيبة. تبدأ القصيدة كما نرى بتمهيد تفخرُ فيه مصر الحضارة بنفسها، وبحضارتها العظيمة التي أبهرت العالم، وخلبت لب الأجيال على مر العصور. ويقول الشاعرُ إن مصر لا تحتاجُ إلى أن تبرهنَعلى عظمتها وقوتها، فأهراماتها العظيمة التي هي جزء من حضارتها قد كفتها الحديث وأغنتها عن كثرة الجدال في هذا الأمر، وفي هذا دعوة صريحة من الشاعر إلى العمل، وإلى الحديث بالأفعال لا بالأقوال.
 
ثم ينتقلُ "حافظ" بعد التمهيد والفخر إلى نقطةٍ أخرى أرىــ ـوقد أكونُ مخطئًاـــ أنها تُمثلُ الغرضَالأساسي من القصيدة، يقول الشاعر (قد وعدتُ العلا بكل أبي من رجالي فأنجزوا اليوم وعدي، وارفعوا دولتي على العلمِ والأخلاق فالعلمُ وحده ليس يُجدي". فالشاعر العظيم حفّز المصريين في بداية القصيدة، وذكرهم بأمجادهم، ومعجزات أجدادهم الأوائل، حتى يجعلهم يثقون في أنفسهم، ويعرفون أنهم قادرين على العمل والعطاء والنهوض ببلادهم كما فعل أسلافهم. وهذه عبقرية "حافظ" التي استطاع من خلالها أن يوظف التراث الإنساني، ويجعل منه دافعًا لأصحابه في النهوض والارتقاء.
 
ثم بعد بث الثقة بالنفس يأتي التكليف بالعمل وبالمهمة الواجب القيام بها وهى بناء الدولة والنهوض بها ليس في الجانب العلمي والمادي فقط، فوحدهما لا يُقيمان حضارة إنسانية متكاملة الأركان، وقوية البنيان، لذلك ينبغي أن تكون المنظومة الأخلاقية، وما تحويه من قيم إنسانية لا بديل عنها في بناء الحضارت حاضرة معهما جنبًا إلى جنب، فالبناء المادي لن يعيش طويلًا، ولن يصبح رمزًا حضاريًّا جديرًا بالزيارة والتمعن إلا إذا كان القائم على بنائه شخص يتحلى بالمسئولية والصدق والأمانة والإتقان في العمل والإخلاص فيه، وهذه كلها قيم إنسانية تمثل الجناح الموازي للعلم والمادة في البناء الحضاري.

 ثم يختتم الشاعر القصيدة بدعوةٍ واضحة وصريحة تؤكد وجهة نظر كاتب هذا المقال في أن الهدف الأساسي من القصيدة هو تحفيز المصريين على العمل والنهوض ببلادهم. يقول الشاعر "واستبينوا قصدَ السبيل وجدوا، فالمعالي مخطوبة للمُجِد". فيشبه الشاعرُ المعالي بفتاةٍ لا تقبل الارتباطَ إلا بشابٍ مُجدٍ ومجتهد.
 
هذه هى خاطرتي حول القصيدة، ولستُ ناقدًا أدبيًّا، لذلك قد أكون مُخطئًا وقد أكون مُصيبًا، ولكن ما دعاني إلى قراءة القصيدة، وتحليلها هذا التحليل هو أني حضرت أحد الحوارت مع نخبة وطنية مثقفة، ولفت نظري حديث أحد الحضور عن أن هناك بعض من يفهم قصيدة "حافظ إبراهيم" فهمًا خاطئًا، معتقدًا أنها تدعو إلى التطرف القومي باعتبارها خطابًا استعلائيًّا على الآخرين.وفي وجهة نظري أن السبب وراء هذا الفهم الخاطئ هو شهرة الأبيات الأولى في القصيدة والتركيز عليها أكثر من الأبيات الأخرى. والأبيات الأولى كما وضحنا تمثل الجزء الخاص بالفخر، فإذا استدعينا هذا الجزء وحده، وأخرجناه من سياقه في المنظومة، ولم نقرأه كجزء من كل، وصلنا بالتأكيد إلى النتيجة الخاطئة التي يشعر القارئ من خلالها أن القصيدة تدعو إلى التطرف القومي. أما إذا قرأنا المنظومة في سياقها الكلي، كجزءٍ واحدٍ لوجدناها دعوة صريحة إلى العمل والاجتهاد. وشتّان بين التطرف والدعوة إلى العمل والجد. 

لو أسقطنا هذا الأمر على فهم التراث الديني لوجدنا الشيء نفسه، إذ هناك من يقتطع النصوص الدينية من سياقاتها، ويخرجها من أطرها الكلية لذلك يصل إلى نتائج خاطئة. وهذا هو منهج الجماعات المتطرفة في كل الأديان في التعاملِ مع النصوص، وهو استقطاع وإخراج من السياق وبالتالي فهم مغلوط.ومن هنا نستطيعُ القولَ بأن مشكلة الإنسان المتطرف ليست مشكلة فكر بقدر ما هى مشكلة تفكير في المقام الأول، لذا ينبغي علينا أن نُعلِّم الشخص المتطرف كيف يُفكر أولًا، وكيف يكون تفكيره نقديًّا منفتحًا، هذا أفضلُ بكثيرٍ من الدخول في صدامٍ معه حول ما إذا كان فكره صحيحًا أم خطأ. وللحديث بقية إن شاء الله...