رشيد حاوية التاريخ.. أسرار وكواليس انتصارها على الحملة الإنجليزية..صور
لعبت رشيد دورا مهما في تاريخ مصر،حيث كان لها وشعبها دور كبير في مقاومة الحملة الإنجليزية عام ١٨٠٧م والانتصار عليها،وإن كان حتى الآن يختلف البعض علي تسميتها بحملة فريزر،مما يجعل هذا الحدث التاريخي ممتلئًا بأسرار تاريخية لم يكشف كثير منها بعد.
هذه الأسرار كشف لنا بعضا منها الأستاذ الدكتور محمود أحمد درويش أستاذالآثارالإسلامية في كلية الآدابجامعة المنيا،حيث ألقي محاضرة في متحف رشيد الوطني عن هذه المناسبة،بعنوان"دوررشيدفيحسماستراتيجية الصراع الدولي فى البحر المتوسط بينعامي1798-1807..ذكر ما أهمله المؤرخون".
المراجع العربية غير منصفة
درويش قال:رغم كثرة الكتابات عن هذه الحملة فى المراجع العربية، إلا أنها اعتمدت فى التأريخ للأحداث على رواية عبد الرحمن الجبرتى فى سفرة الضخم"عجائب الآثار فى التراجم والأخبار"، وقد اعتمدت كتاباته على سماع الحدث من الرواة، حيث أشار الجبرتى فى رواياته عن الحملة الإنجليزية فى أكثر من موضع إلى اختلاف الرواة فى سرد الحدث، وعرض بأمانة مختلف الروايات التي تناقضت فيها بينها عما حدث فى الإسكندرية
وتابع:الجبرتى لم يكن يملك أدوات مؤرخي العصر الحديث، من الوثائق سواء التركية أو البريطانية أو غيرها، والتى يمكنها أن تعطي للمؤرخ فى صورة كاملة عن الحدث التاريخي وفق الموضوعية والحيادية، سواء بالمنهج التحليلي أو السردي فى عرض الأحداث.
حملة فريزر
وقال:أخطأ المؤرخون عندما أطلقوا اسم حملة فريزر على هذه الحملة فيما أطلقوا اسم الحملة الفرنسية على حملة نابليون بونابرت، وتم ترسيخ أن الحملة كانت بمبادرة من فرد ولكنها كانت حملة امبراطورية، وكانت بقرار من مجلس الوزراء البريطاني بمباركة ملك بريطانيا العظمى،حيث أن الاستعدادات للحملة بدأت منذ انتصر الأسطول الانجليزي على الأسطول الفرنسي أثناء الحملة الفرنسية على مصر، حيثأدركت بريطانيا أهمية أن تكون لها قاعدة عسكرية في الإسكندرية كتمهيد لاحتلال مصر فيما بعد.
وبعد انتهاء التحضير للحملة تم اختيار الجنرال ماكنزي فريزر قائدا لها ومن الخطأ ان تنسب الحملة إليه،ولذلك فإن الوثائق البريطانية الخاصة بمراسلات الحملة الإنجليزية بقيادة الجنرال ماكينزى فريزر1807، تمثل أهمية كبيرة فى كشف كثير من الحقائق التاريخية والتعبير عن وجهة النظر الأخرى فى أحداث هذه الحملة.
وتابع قائلا:هناك اختلافات جوهرية فى كثير من الأحداث عما ورد فى روايات الجبرتي، والذي كان المصدر الأصلي فى كتابة الحدث التاريخي عن هذه الفترة للكثير من المراجع العربية،منها أنه ورد بالجبرتي أن هدف الحملة بقيادة الجنرال ماكينزى فريزر كان لتولية محمد الألفي بديلا عن محمد علي واليا على مصر.
الوثائق البريطانية
والحقيقة التى أكدتها الوثائق البريطانية أن الحملة العسكرية أرسلت إلى مصر من خلال استراتيجيه الصراع الدولي فى البحر المتوسط، لتحقيق الأمن القومي البريطاني، وكان هدفها كما حددته الأوامر الصادرة إلى فريزر هو الاستيلاء على الإسكندرية، وتحويلها إلى قاعدة عسكرية بحرية لمواجهة فرنسا فى الصراع الدائر فى مناطق النفوذ فى البحر المتوسط وتامين الطريق الملاحي إلي الهند عبر مصر.
وعندما كتب الجبرتي عن فرقة مماليك الألفي بقيادة شاهين بك وباقي الفرق الرافضة لمحمد علي، وعن اتصالاتهم بالقنصل البريطاني فى مصر(ميسيت)تصور الجبرتي أن الإنجليز سوف يساعدنهم فى الاستيلاء على القاهرة، والحقيقة أن ميسيت كان يحتاج لمساعدة المماليك فى الاستيلاء على الإسكندرية وما حولها لتأمين العمق الاستراتيجي للقوات البريطانية فقط، وأن القوات البريطانية جاءت إلى مصر بقوات لا يتجاوز عددها(6604)رجلا لاحتلال الإسكندرية فقط، ولم تكن هناك تعليمات من القيادة البريطانية نهائيا بتجاوز الإسكندرية.
مقاومة الإسكندرية
وذكر الجبرتى روايات مختلفة ومتناقضة عما سمعه من شائعات عن مقاومة الإسكندرية تارة واستسلامها دون مقامة تارة أخرى، وانتهى إلى أن الإسكندرية لم تقاوم لا شعبا ولا حامية عثمانية، وسارت بعض المراجع العربية على نفس المنهج، بل وصل بعضها إلى القول بأن المدينة استسلمت دون أن تطلق رصاصة واحدة، والحقيقة أن حامية الإسكندرية قد قاومت وكبدت الإنجليز بعض الخسائر، ولكن المعركة كانت بين قوى غير متكافئة، لا فى الأعداد، ولا فى المعدات، ولا فى فنون الحرب، وقد أشارت الوثائق البريطانية إلا أن شعب الإسكندرية قد استنفر للقتال وكان ثائرا.
وأثيرت الاتهامات حول أمين أغا حاكم الإسكندرية المعين بفرمان سلطاني، بأنه سلم المدينة دون قتال بعدما حصل على رشوة من المال من الإنجليز، وقد ثبت أن محمد علي اتهمه–كما ورد فى الجبرتى–هو والشيخ محمد المسيرى بتسليم المدينة، وسارت بعض المراجع العربية خلف هذا الاتهام، بل واتهمته بأنه تركي خائن، والحقيقة أن حاكم المدينة، عندما تقابل مع الضباط الانجليز الذين سلموه إنذار فريزر بالتسليم، رفض الإنذار البريطاني، وأرسل يستنجد بحكومة القاهرة، وأغلق بوابات المدينة، ووضع خلفها المتاريس، وخرج شعب الإسكندرية ثائرا ضد الإنجليز، واستعد للمقاومة.
وتسببت عوامل عديدة فى قبول أمين أغا وشعب الإسكندرية بالاستسلام، أهمها أن مهلة الإنذار البريطانى كانت48ساعة فقط، ولم تصل قوات نجدة من القاهرة،وبدأ القصف المدفعي العنيف ضد الحامية التى لم تتجاوز 467 رجلا، فانهارت الدفاعات الأمامية.
فرسان رشيد
هناك نقاط كثيرة تم إلقاء الضوء عليها خاصة فيما أشارت إليه الوثائق البريطانية من بسالة وقوة الفرسان من شعب رشيد، ودور الشعب المصري فى المقاومة التى أذهلت القيادة البريطانية، وأصابت الجنرال فريزر بالإحباط، وجعلته يطلب من حكومته الانسحاب من الإسكندرية على وجه السرعة قبل أن يلطخ الشرف العسكري البريطانى بهزيمته فادحة
والحملة لم تكن مجرد دعم عسكري إنجليزي لبقايا المماليك فى مصر، ولم تكن مجرد طمعًا فى ثروات مصر الوفيرة وموقعها الجغرافيالمتميز، ولم تكن مجرد مبادرة استعمارية من قبلبريطانيالحماية طرق مواصلات مستعمراتها فىالهند.
والدراسة المتأنية لمسار التاريخ العسكرى العالمى فى تلك الحقبة من التاريخ تخبرنا أن أسباب وأهداف الحملة كانت جزء لا يتجزأ من حرب عالمية بين الأقطاب الأوروبية المتصارعة،حيث شهدت تلك الفترة حربًا ضروسًا تنافسية بين تلك القوى للسيطرة على أراض جديدة فى بقاع شتى من العالم، بهدف بناء إمبراطوريات متجددة واسعة تدعم دول أوروبا الاستعمارية فى ثوراتها الصناعية والاجتماعية والسياسية.