ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

متى سيعبر الجمل من سم الخياط؟

د.طارق منصور

د.طارق منصور

الجمعة 01/نوفمبر/2019 - 09:47 ص

ليس هناك بلد في العالم به كل هذا الزخم من المبدعين مثل مصر. ليس تحيزًا لكونها بلدي، بل لأنها استحقت أن تحمل لقبًا ما حمله غيرها وهو "أم الدنيا"؛ فقد أثبت التاريخ عبقرية الشخصية المصرية، حتى أصبحت مصر هبة للمصريين وليس للنيل، كما قال المؤرخ اليوناني هيرودوت.
ولعل كم الآثار وتنوعها الذي وصل إلينا من الحقب التاريخية المتباينة يشير بما لا يدع مجالًا للشك إلى عبقرية المكان والإنسان، وثراء العقل المصري عبر العصور، حتى أنجز ما عجز عنه سائر الخلق، ويكفي تعامد الشمس كل عام مرتين على وجه الملك رمسيس الثاني في معبده بالأقصر، يوم ميلاده ويوم جلوسه على العرش. كيف حسب المصريون ذلك رياضيًا وفلكيًا؟
وتقف الأهرامات بشموخها تتحدى الزمن وتتحدث عن نفسها، وعن بُناتها في سالف الدهر، فيكُف الجميع عن الكلام عند التحدي...إنها مصر، لم تأت من فراغ، بل نتاج قريحتها وعبقرية أبنائها.
وتستمر السمراء في الإنجاب، ويتكاثر المبدعون رغم عقود الشقاء، ففي الموسيقى والغناء يتبوأ العبقري سيد درويش سُلم المجد منفردًا، ليتبعه محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش فيجمعوا بين التأليف والتلحين والعزف والغناء.
وفي عالم التلحين يقف القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي على قمة المدرسة الشرقية الأصيلة، التي أنجبت عباقرة أيضًا أمثال محمد فوزي وبليغ حمدي وغيرهما.
وفي الغناء وقفت أم كلثوم بلا منازع، وأسمهان صوت السماء الذي جاء بسحره لينفرد بالأرض، ونجاة الصغيرة بصوتها الأنثوى الحالم، الذي يضخ الحب في عروقنا، وغيرهن.
وفي المسرح نقابل العملاق يوسف وهبي وفرقة رمسيس التي تميزت بتقديم الأدب العالمي، وفرقة نجيب الريحاني، وفرقة علي الكسار المسرحية المنافسة لفرقة الريحاني، وفرقة إسماعيل ياسين المسرحية، ومدرسة المدبوليزم؛ وغيرهم.
أما في الأدب والشعر فليس بمقدورنا أن نحصي المبدعين في مصر من كثرتهم؛ فذاك أمير الشعراء أحمد شوقي، وشاعر النيل حافظ إبراهيم، ومحمود سامي البارودي، وإبراهيم ناجي، وأمل دنقل، وفاروق جويدة، وطه حسين، وأحمد لطفي السيد، ونجيب محفوظ، ويوسف السباعي، وتوفيق الحكيم، ويحي حقي، وعلى أحمد باكثير، وجمال الغيطاني، وأنيس منصور، وبديع خيري، وأبو السعود الإبياري، ولألئ أخرى تزين عقد المبدعين.
أما علماؤنا فحدث ولا حرج، فلن ننسى ماري كوري العرب د.سميرة موسى، د.عبدالله مشرفة، د.أحمد زويل، د.مصطفى السيد، د.مجدي يعقوب، م.هاني عازر، د.محمد غنيم وغيرهم ممن فارقونا أو لا زالوا على قيد الحياة.
إن ذكري لهؤلاء العمالقة ليس بغرض التباهي أو الاستعراض، بل للتدليل على خصوبة أرض مصر، وإلى أي مدى أسهمت في تكوين العقل العربي، ونشر رسالة التنوير. وقد نال بعضهم حظه من التكريم، فتحول مسكنه أو قصره لمتحف بإسمه، يحوي بعضًا من متعلقاته ومقتناياته، كمتحف راماتان، أو كرمة ابن هانيء أو متحف أم كلثوم، وطوى النسيان الجزء الأكبر منهم حتى كادت ذكراهم أن تُمحى إلا من وريقات تشير إلى أن فلانًا كان يعيش يومًا ما بيننا.
إن اهتمامنا بتراث الفراعنة لأمر هام بلا شك، ويستحق أن ننشيء له المُتحف الكبير، بل مُتحفًا بكل محافظة، وفي ذات الوقت هناك حق في رقابنا تجاه عباقرة الفن والأدب والشعر وعلماء مصر الأجلاء، ليأتي يومًا يفاخر فيه أبناؤنا بتراث أجدادهم الذي فاض ثراءً على ضفاف النيل، وإلا ستُمحى هوية مصر المعاصرة، ونصبح جميعًا نسيًا منسيًا...إنهم مجد مصر الذي يجب أن يظل حيًا، وفي أذهاننا ماثلًا. وسأظل أسأل وزير الثقافة في كل آوان:
ماذا يعرف أبناؤنا عن تراث أولئك العمالقة؟ ومتى سيتم إنشاء متحف الخالدين أسوة بالمتحف الكبير؟ أم سننتظر حتى يعبر الجمل من سم الخياط!
AdvertisementS
AdvertisementS